أحبت الحياة ، أخلصت
من أجلها ، أشفقت على العالم من ضعف رؤيته ووقلة حيلته وهوان الأحلام ، حاولت الفتاة
أن تكون قلبا نابضا أو عينا تنهي الليل بشوق لكل نهار ، وربما أرادت أن تكون عقلا
يذهب بأفكاره لأي مشوار ، أو أنها كانت تحلم بأن تكون طيرا وغناءا بين الأشجار ...
صار بها الزمن وعصفت الرياح فإنهار الحلم .. أصبح أطلال ، ذهبت الأفكار لاعنة أنات
الحب وحرية القرار ، تلاشت الدنيا فأصبحت بين عينيها لوح من أسرار ، لم تعد تفهم
اللحظات أو الساعات أو أبناء البشر الأخيار ، لم تعد تطيق الأشرار أو أن تتحدث عن
أخبار ، فتسمع في صمت وتتكلم بلا حروف وكأنها تحولت إلى صمغ من أفكار ، كل
الأحاديث صارت عويل وكل الأغاني أصبحت دموع كالأمطار ، تجري وتتدفق فوق عمرها وكأن
العالم ينتظر منها أن تموت كمدا أو غيظا أو ربما منتحرة في الأفكار ، الغربة قانون
والوحدة شعار واليأس هو أملها في النهار ، الكل يتساوى والبقاء أصبح خارج
الإختيارات ، بل إن المصير فرض رأيه ولم يعد للإختيار معنى أو وجود ، الحياة تنتهي
قبل نهايتها الفعليه ، السماء تنشق عن مصيرها قبل أن يأتي يوم الرحيل ، ولكنها
إكتشفت أن الرحيل أنواع ؛ منه الرحيل الجسدي بالموت ومنه الرحيل النفسي بالجنون ،
منه الرحيل الإنساني بالوحشية والجمود ، ومنه الرحيل العاطفي بالقسوة والفتور ، وتأكدت
حينئذ أنها ترحل بنوع جديد ؛ نوع مصيري ليس إختياري ، فعقلها يعمل وقلبها ينبض
وسمائها لازالت تشرق مع الأيام ، ولكنها تنسحب من الوجود .. من المشاعر العامة
والخاصة ، إستقالت روحها من المجتمع والوطن والبشرية جمعاء ، آثرت أن تغلق عليها
عينيها وأن تتبع خطواتها إلى الداخل ؛ إلى الأعماق ، سارت وراء قلبها لتصونه من
الأهوال ، وحافظت على دموعها من كثرة الجريان وغطاء العدوان ، الفتاة ترحل وهي
جالسة بيننا ، تغيب وهي حاضرة معنا ، الفتاة تقول ما لا نسمعه وترى ما لا نحب أن
نراه ، إنها تتوغل في أعماقها مبتعدة بشمسها الخاصة وقمرها المِلك ، تتلاشى من
المشهد ولا تترك وراءها إلا ظل يتألم للرحيل أو مكانها الذي ينادي على المثيل ،
هذا هو مصيرها التي أرادت أن تؤجله عبر عمرها الطويل ، هذا هو مصيرها التي خافت من
ظهوره ومعايشته وهى لا تزال حيه ترزق ، مصير مؤلم لا يجدي معه محاولات منع ولا
يعوق مجيئه دعاء ، مصير لا يبطء سطوته خوف ولا يرققه بكاء ، هي قد فعلت كل هذا وفي
النهاية ... كأنها لم تفعل ، دفعت الثمن عمر ودموع وجراح ، ولم تستطع الحفاظ على
وجودها أو إنقاذ حلم واحد من أحلامها ، أدركت متأخرا أنها لا تخص هذا العالم وأن
السماء قذفت بها لتكون عبرة لمن يتحدى واقعه ، القدر إستخدم روحها ليعطي دروس
التكيف والولاء فيتضح للناس أنهم قابعين تحت قدراته ، وكان آخر صورة وصلت إليها في
الحياة نموذج رادع لكل من تسول له نفسه بأن يحلم أو يتمنى أو يحاول أن يسير في
طريقه الخاص ... كل الحياة بأحداثها وحلوها ومرها معدة سلفا ومن لا يفهم هذا
ويحاول أن يغير من موقعه أو كيانه أو تتعدد أحلامه سيلقى مصير تلك الفتاة التي
دفعت كل شئ ولم تحصل هي على شئ ، إلا أن العالم حصل - بجهودها وعمرها - على
التأكيد اللازم بأنه لن يحدث في هذا الزمان إلا ما يجب أن يحدث ، وأن الإنسان لن
يخترع قدره ، وأنه لن يحصل كائن إلا على ما كان يجب أن يحصل عليه. رحم
الله قلب كان يحب وعقل كان يفكر ليحب ، ونفس كانت تدعو الناس للحب .. ماتت
الأسطورة وإنتحر الحلم ، إنتهت القصة وبقي المصير .. ذهبت الفتاة وظل العالم كله ،
وهذا هو المعتاد .. فغياب الداع للحب هدف ، وبقاء الحال ليس دائما من المحال.