يعتبر الإعتداء على منشآت الدولة هو إعتداء على هيبتها وإستقرارها ، وبالتالي فهو أمر مرفوض تماماً وليس محلياً فقط ولكن عالميا أيضا ، فلا يوجد دولة في العالم أو عبر التاريخ وافقت أو تهاونت في مسألة الإعتداء على هيبتها وإستقرارها ، ومصر من أقدم الدول في العالم إن لم تكن أقدمها ، ولا يمكن السماح أو التصور بأن نسمح بالإعتداء على هيبتها وكيانها كدولة ، فحتى في أيام الإحتلال لم يكن لأحد من المصريين أن يوافق على الإعتداء على الكيان المصري بالرغم من الإحتلال ، وبالرغم من إعتبار المواطن المصري في مجالات كثيرة مواطن من الدرجة الثانية ، ولهذا كانت المقاومة الشعبية والوطنية تجري على قدم وساق في محاولة منها للحفاظ على الهيبة والكيان المصري.
لعل آخر جملة هي مربط الفرس لهذا الموضوع "الهيبة والكيان المصري" ، فياترى ماالذي كان يدفع المواطن المصري أن يتحدى الإمبراطورية الإنجليزية في عزها في حين أنه يعلم أنه بلد محتل ، وأنه كمواطن سينال المرتبة الثانية في وطنه تحت أي ظرف وعلى أفضل الإحتمالات؟ مالذي كان يجعل الفدائي فدائي ؟ وما الذي أثار السياسي المصري ليصول ويجول في أروقة السياسة العالمية بحثا عن الحرية والتخلص من قوة الإحتلال ؟ دقق النظر قليلا ، ستجد أن هيبة الدولة تبدأ في هيبة المواطن ، تجد أن الدولة تـُعتبر في عرف العالم دولة عندما يتفق مواطنوها على قانون عام يجمعهم ويفصل بينهم عند النزاع ، ستجد أن الدولة هي كيان مجمع لكيانات صغيرة متعددة ومتنوعة أسمها المواطنين ، وهذا الكيان الكبير لن تقوم له قائمة ولا هيبة إلا بقائمة للكيان الصغير وبهيبة الكيان الصغير ، ولهذا أقول أن هيبة الدولة تسقط عندما يهان مواطنها خارج أرضه ، فما بالك بداخل أرضه؟ هيبة الدولة تسقط إذا لم يجد المواطن صيانة لكرامته ومراعاة لأمنه ، هيبة الدولة تسقط مع أول مرة يتسول فيها المواطن حقه في العيش بكرامة وحرية ، عندما يشحت نصيبه من الطعام والأمان والإستقرار ، الهيبة تتلاشى يوم أن يموت مواطن لدولة ما في أراضي غريبة ولا أحد ينتفض بحثا عن حقه ورعاية أهله وأسرته ، ولهذا كله أرى أن هيبة الدولة المصرية تتساقط كأوراق الخريف من يوم مباراة الجزائر في السودان ، ومن يوم أن إكتفينا بمصمصة الشفايف لنعوش أبنائنا القادمة من العراق ، ويوم أن سقطت طائرة محملة بخيرة شباب مصر في عرض المحيط ، هيبتنا تتساقط من يوم أن تعدت الحكومة القطرية على عمالنا لديها ، وسعت المملكة السعودية لطرد كل ما هو مصري من أراضيها ، هيبتنا توارت في الحجاب من يوم أن تحددتنا إسرائيل بقتل أسرانا دون رد ومن يوم أن إقتحم حدودنا الفلسطينيون ، الهيبة تتراجع من يوم أن إرتضى حكامنا أن نـُقتل في الشوارع ونمتهن على أيدي الخارجين على القانون من الشعب والسلطات على حد السواء ، الهيبة تناقص رصيدها من يوم أن غزت شوارعنا جحافل من أطفال الشوارع وتراجع مستوى التعليم المصري إلى درجة غير مسبوقة تاريخيا ، من يوم أن علا صوت المحسوبية والرشوة وإهانة كل عالم وطرد كل نابه من الأراضي المصرية ، الإهانة والتعدي على الكيان المصري ظهر جلياً يوم أن تساقط شباب مصري في عرض البحر بحثا عن عمل خارج وطنه - حتى ولو كان على حساب كرامته ، والناظر إلى كل ما سبق سيجد أن إهانة كل ما هو مصري أصبح عادة وتقليد يصوغ حياتنا في التاريخ المعاصر ، ولذلك لا أميل إلى الإعتقاد بأن مهاجمة مبنى هنا أو سلطة هناك يعتبر تعدي على هيبة الدولة ، ولن يمكن أن ندافع عن هيبة الدولة قبل إستعادة تلك الهيبة أولاً ، وإستعادتها يكون بحفظ كرامة المواطن وصيانة حياته وأمنه ولقمة عيشة الكريمة أياً كانت وظيفته ومكانه ، لن يمكن أن نقول أن مصر دولة دون أن يكون لها دلالات الدولة ؛ ألا وهي القانون وسيادته وتطبيقه ، فبغير قانون لن يكون هناك دولة وسيتحول المواطنون إلى جزر منعزلة تتصارع من أجل البقاء ، فكيف لنا أن ننادي بهيبة دولة يتصارع مواطنوها من أجل البقاء؟ وكيف ننادي بهيبة وطن تشرذم مواطنيه تحت وطأة الظلم في التعامل والتراخي في تطبيق القانون ، أعتقد أن كلمة هيبة تعني عدم التجرأ على الإهانة أو التعدي ، كلمة هيبة تقف عند حدود النية وليس الفعل ، الهيبة ألا تجرؤ أو تنوي التعدي ، فإذا تعديت تكون الهيبة سقطت وجاء دور القانون ، والخلاصة تقول أنه لا هيبة بغير قانون ، لا للدولة ولا للمواطن.