الجمعة، 30 سبتمبر 2011

سنة أولى مدرسة - 2

يتوقف نجاح الطفل في الحضانة أو المدرسة بدرجة كبيرة على دور الأم وما تفعله فى الأسابيع القليلة الأولى من الدراسة ، فبشكل أو بآخر سنجد أن الأم هي المحرك الرئيسي في حياة الطفل ، والبنود التالية هي ملخص لأفكار يمكن أن تستعين بها الأمهات لقيادة حياة أطفالهن.
أولاً مبدأ الإجتماع الفردى مع مُعلمة الطفل ، فهذا السلوك له حكمته وأهميته لإنه يعطي إنطباع بأن هذه الأم على درجة كبيرة من الإهتمام بطفلها ، ويمكن أن يتم هذا قبل أو بعد مواعيد الدراسة ، وكلما بدأت هذه اللقاءات مبكراً كلما كان أفضل لمصلحة الطفل نفسه ، وتعدد مرات هذه الإتصالات أمر يقترب من درجة الضرورة ويؤكد على كفاءة الأم في المتابعة ، ويمكن تنظيم اللقاءات سواء من خلال زيارات شهرية إلى الحضانة أو المدرسة ، أو في صورة مراسلات مكتوبة ، أو على هيئة اتصالات تليفونية مستمرة ، لإنه يقيناً مثل هذا الأسلوب يوفر للمُعلمة فهم الطفل بصورة أفضل ، كما إنه يجعل الأم على دراية بحالة طفلها بشكل منتظم ومستمر سواء بالنسبة لمستواه العلمى أو الإجتماعى ، ومن جهة أخرى يعتبر الإتصال بإدارة المدرسة أو الحضانة مفيد في بناء الثقة بالنفس سواء للأم أو للطفل على حد السواء.
ثانياً مبدأ الحوار الدائم والذي يبدأ بتشجيع الطفل على التحدث عما يدور في الحضانة أو المدرسة ، وهي مهمة صعبة إذا لم يعتاد الطفل عليها ، ساعتها يجب أن توجه الأم أسئلة تتطلب الإجابة بأكثر من مجرد "نعم" أو "لا" ، كما يجب أن تشجع الأم طفلها ليعرض عليها أمثلة لما فعله بالحضانة أو المدرسة ، ولو لم يكن الطفل متحمساً للحديث عما فعل في يومه فالسؤال عن بعض التفاصيل قد يجعله يتبين إهتمام الأم بحياته المدرسية ، وهناك أسلوب أكثر خبثاً يمكن للأم أن تستعين به ، فعندما تحكي الأم لطفلها عما فعلته هي خلال اليوم سيشجعه ذلك على إشراكها فى تجربته على سبيل التقليد لها أو على سبيل المنافسة معها إذا بدأ في المقارنة بين أفعال كل منهما في يومه. في الحقيقة إن تخصيص وقتاً إضافياً للتواصل بين الأم والطفل يزيد من تشوقه للذهاب إلى الحضانة أو المدرسة حتى يعود بأحداث جديدة يحب أن يرويها لأمه.
ثالثاً مبدأ التنوع في الحياة إذ إنه من المهم جداً للتوازن النفسي أن تشجع الأم طفلها على اكتشاف أنواع الأنشطة الرياضية المتوفرة بالمدرسة أو الحضانة ، فقد أكدت الدراسات أن الأطفال الذين يمارسون أنشطة خارج نطاق المنهج الدراسى يكون مستواهم أعلى دراسياً واجتماعياً، وقد تكتشف الأم أنه هناك موهبة دفينة لدى طفلها.
رابعاً مبدأ الإنتقال التدريجي من مرحلة إلى الأخرى مثل الإنتقال من روتين الصيف الأكثر استرخاء إلى النظام الدراسى الذى يتسم بنظام ميقاتي ، فمثلاً:
 يجب الإستيقاظ مبكراً في اليوم المدرسي حيث يكون هناك وقتاً كافياً بحيث لا يتوتر الطفل أثناء فترة الإستعداد للخروج صباحاً ، فهذا قد يؤثر على كفاءة ذهنه باقي اليوم.
 تخصيص كراسة معينة مستقلة يستطيع الطفل تسجيل الأحداث التي جرت له أو الأنشطة التى ستقام بالمدرسة ، ويمكنه كذلك تعليق أو كتابة أعماله الخاصة عليها ، وهذه الطريقة فعالة جداً في بناء شخصية الطفل المستقلة كما إنها تدعم له عالمه الخاص من وجهة نظره الشخصية دون تدخل الآخرين ، وبالتالي يشعر أنه مشارك في الأحداث أكثر منه تابع للآخر حتى لو كان هذا الآخر هو المعلم شخصياً. أعتقد أن هذا هو المحور الأساسي لتدعيم طموحاته وجوانب شخصيته.
 لابد أن يتعود الطفل على النوم مبكراً أثناء العام الدراسى ، فالأطفال يحتاجون لساعات نوم أكثر من الكبار ، فهذا من شأنه أن يجدد طاقاتهم.
 كوب من الحليب الدافئ قبل النوم بالإضافة إلى حمام دافئ يساعد كثيراً.
 قراءة قصة قصيرة قبل النوم للطفل تجعله أكثر إستعداداً للنوم ، كما إنها تنمى عادة مفتقدة كثيراً وهي القراءة.
قد نكون أكثرالمحبين لأطفالنا في هذا العالم ، ولكن الحب يحتاج إلى طاقة عمل ودستور حياة ومتابعة مخلصة ، فليست التربية بالكلام وليس المستقبل بمجرد الأماني.

الخميس، 29 سبتمبر 2011

سنة أولى مدرسة -1

الظروف هذا العام تختلف كليةً عن أي عام آخر ، فهناك نوع من التوتر أصاب كل أفراد الأسرة بسبب أحداث الثورة ، ولكن إضراب المعلمين أدي إلى توتر من نوع جديد وغريب ، فالثورات تسبب توتر عصبي نتيجة للخوف والقلق على الوطن ، وقد تسبب خوف على الممتلكات والأرواح ، أما إضراب المعلمين فقد تسبب في توتر تعجبي ، توتر من ماركة "تيجي إزاي دي؟ ثورة تنادي بالتعليم ، ومعلمين مضربين" أو "طيب وإيه الجديد علشان إضرابات دلوقتي" ، المهم إن الحيرة كانت من نصيب أولياء الأمور والمجتمع كله ، لكن التوتر والذعر والتعجب المصحوب بالرفض كان من نصيب التلاميذ الصغار ، وبدلاً من المعاناة القديمة والمعروفة لإقناع الطفل في أول يوم دراسة بأن المدرسة والتعليم أمر جميل من أجل مصلحته ومستقبله ، وبدلاً من إقناعه بأن "عمو المدرس" أو " طنط المدرسة" هم أصدقاء قدامى للأب أو للأم وبالتالي لا داعي للخوف منهما ؛ بدلاً من كل هذا عجز الأهل عن تفسير هام جداً ، فبالله عليكم كيف يفسر كل ولي الأمر لطفله أنه أخذه من المنزل ليضعه في مكان به غرباء لا يرحبون به ولا يريدون التعامل معه؟ كيف يقنع طفله بأنه ولي أمر طبيعي وليس مجنوناً عندما يلقون به في مكان ذو أسوار ملئ بالممنوعات من وجهة نظره الطفوليه وهو يرضى بهذا كارها ، ويفاجئ بأن أصحاب المكان – المعلمين لا يرضون به؟ و هل سيقتنع الطفل بعد هذا الموقف اللاإنساني بأن والديه يكنون له أي نوع من أنواع الحب؟ سيجيب الطفل بعقله البسيط والبرئ وقد لا يقتنع أصلاً بأن والديه على قدر كاف من التعقل ... هناك مثل شعبي خاص بالموقف الذي فيه يرضى الإنسان عن عمل أمر ما وهو كارهاً له ، ومع ذلك لا يرضى هذا الشئ بهذا الإنسان المـُكره!
لم يكن هذا في حقيقة الأمر الموضوع الذي أردت الحديث عنه بما يخص سنة أولى مدرسة ، ولكن الشئ بالشئ يـُذكر ، والواقع فارض نفسه لا محاله وكان لابد لي من إبداء تعجبي قبل الحديث عن نصائح سنة أولى مدرسة ، وإن غداً لناظره قريب.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

التعلــــيم

هذه الكلمة تعني أي شئ غير التوريث .. فالوارثة تعني نقل الملكية دون تطوير أو إضافة للمتلكات ، أما التعليم فهو نقل للمعلومة بطرق متعددة حرفية ، يتفنن فيها المعلم بإضافة بصمته الشخصية في محاولة منه لتوصيل جوهر العلم لطالبه ، وبذلك يتحول الطالب لخطوة على طريق العلم ، ويصبح إمتداد لمعلمه وليس ببغاء عند معلمه .. وهناك مخلوقات غير البشر تتقن فن التقليد ولكنها لا تتطور وليست بمسئولة عن إعمار الأرض ، أما الإنسان فهو مخترع المدرسة التي أخرج منها أجيال ؛ أفضل منه علماً .. هذا هو التطور ، وكما نرى فهو مرتبط تماماً بالتعليم الذي يدعم مقولة "دائماً هناك خطوة للأمام" ، فلايوجد تعليم اسمه "محلك سر".
المشكلة المصرية في التعليم هي تطويره ، فالعملية التعليمية مبنية في الظاهر على أربعة عناصر: الأبنية ، المعلم ، الطالب ، والعلم نفسه .. ومن وقت لآخر ينالهم التطوير ، فتارة نرفع أجر المعلم ، وتارة نزيد معلوماته .. بل ونمتحنه فيها ، وتارة أخرى نطور الأبنية ونجعلها خمسة نجوم .. وأحياناً نطور الطالب نفسه من حيث الملبس والنشاطات والترفيه .. وأخيراً ظهر إتجاه جاد لتغيير مناهج التعليم وإلغاء ما يعتبره المتخصصون حشو لا قيمة له .. كل هذا جميل .. ولكن من قال أن الرازي كان يجلس في بناية فخمة؟ أو أن ابن الحسن كان يلبس ملابس خاصة لتمكنه من تحصيل العلم؟ ومن قال أن البخاري كان لديه وسائل إنتقال مريحة؟ ثم إن أرسطو وسقراط لم يحتاجا لزيادة في المرتب ليتمكنا من تعليم تلاميذهما .. والخلاصة أن العلم ينتقل من جيل إلى جيل بوسيلة ما ، وهذه الوسيلة نفتقدها في مصرنا ، وبالتالي فكل ما نفعله من تطوير في العناصر الأربعة للعملية التعليمية يذهب سدى ، لابد من أن نطور العنصر الخامس ؛ ألا وهو "وسيلة التعليم".
يجب أن تتطور وسائل التعليم بما يتناسب مع المتلقي وثقافته ومزاجه العام ، فالعلم بضاعة تحتاج إلى تسويق والطالب هو الزبون الذي يجب إرضاء ذوقه في شكل البضاعة حتى يتقبل مضمونها ، وإلا سيرفضها ويتنازل عن السعي وراءها ، فيبور العلم ويقل عدد الباحثين عنه وتتراجع الأمة في مصاف المتعلمين .. وهذا هو الواقع الذي نعيشه. إن المعلم الذي يصر على أن يلقن الطالب المعلومة "علشان هي كده" سيصاب بالفشل العلمي وسيفقد إهتمام الطالب ، فالإنسان بطبعه - والجيل الحالي خاصة - تواق للبحث والمعرفة والمشاركة بنفسه وليس عن طريق التلقي الساكن والخاضع لكلام مدرس ، لابد من التعليم بإستخدام الحوار والنقاش والبحث .. فهذا النمط من التعليم سيجعل أبناءنا على وعي كامل بحقائق علمية هم الذين بحثوا عنها وناقشوها ، فيكتسبون - إضافة للعلم - ثقافة الحوار والبحث والنقاش ، وتنمو عندهم القدرة على التفكير والتحليل .. إنني أؤمن بأن الطالب الذي يعتبر حسبة إثنين وإثنين مشكلة علمية ويحاول أن يصل لإجابتها بنفسه ؛ هو ذاته رجل المستقبل الذي لن يعجز عن حل مشكلة قابلته عند تولي المسئولية ، وأما من تقال له المعلومة صريحة وجافة دون بحث فسيكبر ليكون رجل يرهقه التفكير وتغلبه المشاكل مهما كانت صغيرة .. يا سادة إن مشاكلنا الإدارية نبعت من التعليم التلقيني ، ومشاكلنا العاطفية نمت من ضعف الشباب على إستيعاب تغيرات الطرف الآخر ، وإرتفاع معدل الطلاق جاء من غياب ثقافة الحوار في الأسرة .. والشارع .. والإعلام .. حتى فقد المواطن القدرة على أن يتحدث مع نفسه .. فقتلها ... انتحر ، سواء كان إنتحاراً مادياً بقتل النفس كما نعرفه ، أو إنتحاراً معنوياً بتدمير الأحلام ورمي الذات في أحضان اليأس.
بأقل تكلفة في أبنية تعليمية ، وبأقل مجهود في حصد وتغيير مناهج ، وبأقل إثارة من زيادة مصروفات وأنشطة يمكننا أن نطور التعليم .. إزاي؟ أدعو لساعات قليلة من دورات تديبية يمر بها المعلم ليتدرب على كيفية شرح الدروس بطرق جديدة وحديثة وجريئة ، طرق يشترك فيها الطالب مع زملائه ومع معلمه فينتج عنها ساعات من المشاركة والحوار والنقاش والتنافس الشريف ، والأمثلة كثيرة ومتعددة لمن يريد أن يبحث عنها ، وكلها إثراء للعلم والعملية التعليمية ، وليس هذا فحسب بل هي تدريب على صنع مواطن قادر على المواجهة والتحليل والإدارة ، وساعتها يمكننا القول بأن لدينا وزارة تعمل على التربية .. والتعليم.

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

الوطن صناعة

ليس الوطن مجموعة من الأشجار والأنهار والنسيم العليل ، وليس الوطن مجرد ناس إعتدنا أن نحيا بينهم ، إنما الوطن هو وليد الحضارة التي إرتضاها قوم ليحيوا فيها وبها .. ومن لا يملك حضارة فهو في حقيقة الأمر لايملك وطن ، ولكن .. ما هي الحضارة؟
يتحدث علماء الإجتماع على إن الحضارة في تعريفها تحتوي على جزءين؛ الأول هو فن التعامل بين الناس ، والثاني هو فن وضع خطط مشتركة وطموحة تجعل من أحلام هؤلاء الناس واقع يعيشون فيه ، فإذا ما تحقق الهدفان يولد الوطن ، ويتحول أبناؤه من مجرد أفراد تعارفوا على بعضهم البعض لمواطنين ينتمون إلي وطن هم الذين صنعوه بأيديهم .. فالوطن صناعة بشرية ، وهناك مجتمعات إخترعت لنفسها وطن وحضارة لتدافع عنها وتنتمي لها ، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وغيرها من الدول التي نشأت من موجات هجرات جماعية من دول العالم وبلاده المتعددة ، وبعدها قرر هؤلاء المهاجرون أن يجعلوا لحياتهم حضارة مشتركة ومنهج طموح واحد ، فتحقق لهم هدف تكوين وطن ، والمعروف أن الأهداف التي يحققها الإنسان بعد تعب وجهد - والتي يسبقها أحلام وخطط موضوعية - تعتبر عند أي إنسان أهم إختراعاته وأكبر دلائل نجاحه ، فتجده يموت دفاعاً عنها ، فبعد أن صنعها مع زملائه صارت له وطناً يهون في سبيله العزيز والغالي.
إنه الوطن ... الابن الشرعي للحضارة ، فهي التي جعلت أبناء الأراضي المختلفة والثقافات المتعددة يتحولون لأبناء وطن واحد ، ومصر من أقدم الحضارات وأهلها هم الذين إخترعوا أول الأوطان ، وهم أقدر الشعوب على تجديد وطنهم بخبرة تتجاوز آلاف السنين ، ومهما كانت حالة الشعب المصري في حاضره ، فهو يحمل بين قطرات دمه إرث القيادة ورغبة السيادة ، هو الشعب الذي يعرف أكثر من غيره ماذا يفعل عندما تتعرض مصر لأزمة تعصف بها أو تهدد وجودها ، وطبيعي أن يكون أول صانع للأوطان هو الأجدر على صيانة وطنه والحفاظ عليه.

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

ماذا يريد المصريون؟

هذا السؤال يطرحه البعض من وقت لآخر ودون أن يدري يجيب عليه ، فالمصري يستطيع أن يخبرك بأنه عاشق للإستقرار ، حليف إستراتيجي لكل ما يسعده ، وحتى في أشد الظروف تجده يبحث عن النكتة ؛ على سبيل أن تجعل من الصعب سهل ومن المستحيل ممكن .. إن المصري هو أقدم مواطن على الأرض بصفته ساكن لأقدم دولة عرفها الإنسان ، قد تكون الحضارة الفرعونية والتي تركت خلفها ستة آلاف عام ليست بأقدم الحضارات ، ولكنها بلا أدنى شك هي أقدم الدول ، والفارق بين الحضارة والدولة هو الفارق بين المتعلم والخريج ، هو الفارق بين مشروع الحلم وواقع تنفيذه ، فالحضارة المصرية إبتدعت نظام الدولة وشجرة تحمل المسئوليات ، وعليه فهي أقدم البيروقراطيات على وجه الأرض ، والمواطن المصري قد يكون أقدم شخصية روتينية عرفها الإنسان ، ولكنه كان دائما عاشقا للإستمرارية ، والإستمرار يحتاج لقدرة فائقة على التكيف مع الواقع ، وبما إن الواقع في معظمه مؤلم فكان لزاما على المصري - القديم والحديث - أن يتكيف مع الألم عبر بحثه المستمر عن السعادة والملهاة ، وبتكرار الأمر وبكثرة المصائب ، تعلم المصري كيف يواجه الصعاب بالبسمة والنقد اللاذع حتى إحترف الأمر وأصبح من يومياته العادية.
المصري يريد أن يعيش في سلام ويرتشف قهوته في مودة ، يريد أن يرى أولاده في بيت العدل كما يقولون و هم في سعادة وسكينة ، المصري يريد أن يسير في الشارع فلا يرى دما ولا يسمع سبابا ، المصري يريد أن يجلس على ضفاف النيل دون أتربة ويركب مركب العصاري دون إستغلال وإبتزاز .. المصري يريد أن يسمع أغنية راقية وشعر مؤثر .. يريد أن يرى فيلما باسما ومسرحا مهذبا .. إنه يريد الرقي بكل أنواعه ، وكيف لا وهو أقدم مواطن على الأرض ، وبالتالي فهو عالم ببواطن المواطنة وخبير بفنون الإنسانية .. لذلك مهما تعددت طبقات الشعب المصري ومهما تباينت طبائع أفراده ، فهو في النهاية يتفق دائما على كل ما هو جميل ، فعاداته وتقاليده تحكمه والخارج عنها يلتهمه تأنيب الضمير.
والسؤال الذي يلح على رؤوسنا جميعاً ؛ أين وكيف ومن يستطيع أن يحقق حلم المصري؟ نحن في حاجة لشخص يعلم جيداً أننا لا يهمنا خصال ولا صفات ... لاغنى ولا سلطان ، لكننا نريد لمصرنا مؤسسة حاكمة تعلم من أولها لآخرها معنى أن يكون لديها شعب مصري ، ويعلم كل فرد فيها ما معنى أن يكون هو شخصيا ... مصري.

الأحد، 25 سبتمبر 2011

معنى الوطن

لايوجد وطن من غير حضارة تقيمه وترعاه ، ولا توجد حضارة من غير أحلام ترسم لها مستقبلها ، ولا يوجد حلم من غير وعي سياسي وثقافي وديني ، فالحلم هو أول درجات الطموح القابل للتحقيق ، والطموح هو أول وأأدب درجات التمرد على الواقع والرغبة في التطور والتقدم ، فالذي يرضي بواقعه في إستسلام هو شخص لا حلم له ، والذي يتمرد على واقعه في أدب وتواضع لله ، هو شخص يرجو التقدم والتطور بتوفيق من الله ، وقبل أن ننادي بضرورة الإنتماء للوطن يجب أن نحدد ماهو الوطن وماهي مقوماته وأحلامه المشتركة ، وقبل أن نحيا ونموت من أجل الغناء للوطن ، يجب علينا دعم أوصال حضارتنا الحالية وليست تلك التي في أول صفحات التاريخ ، وألف باء الحضارة هي توحيد المصير والحلم والمستقبل ، يجب أن يعلم أبناء هذه الأرض أنهم يشاركون بعضهم البعض في المصير والحلم ، وإن لم يفعلوا صارت البلاد متقطعة الأوصال ، وسنجد كل قطعة أرض من البلاد تُـعَّبِر عن رأي ساكنيها وأحلامهم المختلفة عن باقي القطع المجاورة ، فتتفرق بنا السبل وتتشتت البلاد ويتحول الوطن إلى أوطان ، ربما تسالمت وربما تحاربت ، فمن الواجب والضروري أن تعلو بنا قاعدة التمسك والتجميع وليس التفريق ، يجب إحياء ذكرى المسلمين الأوائل في تجميع العرب والإعراب والعجم وغير المسلمين تحت مظلة هدف واحد مشترك وحلم قومي بنوا عليه حضارة إمتدت في عمق التاريخ فصار لهم جميعاً معاً وطن ... لم يكن كأي وطن ، وبغير توحيد الفكرة والحلم وإنشاء الحضارة المشتركة فأعتقد أنه لا يحق لنا آنذاك أن نحلم بأن يجمعنا ما نطلق عليه "الوطن".

رسالة إلى رئيس الوزراء

مواطن بسيط مثلي لا يقوى إلا على التفكير المنطقي ومن وجهة نظر ، قانونا أو سياسيا لا يهمه الأمر كثيرا ببساطة لإنه لا يعلم خبايا هذا النوع من الفنون ، ولكنه برؤية واقعية يريد أن يكتب كلمة في سطر يبني به وطنه الجديد ، فماذا يقول؟
الأستاذ الدكتور عصام شرف رئيس الوزراء
تحية طيبة وبعد ...
أعلم ياسيدي مدى إنشغالك ومدى جسامة الأمور الملقاة على عاتقك ، ولكني كمواطن مصري بسيط يعمل طبيبا وله رؤية أود أن أشارك في ملحمة بناء وطن قد شرفني عشقه وأعلا قدري الإنتماء إليه .. وسأدخل في صلب الموضوع مباشرة
سيدي إن المطالب الفئوية هي جسم ثورة يناير ، فطبقة الكريمة الراقية في المجتمع وهي شبابنا الغالي قامت لتطالب بإحتياجات شعب كامل ومنه هذه الجماعات الفئوية ، ووصل الأمر لتغيير النظام شكليا وهيكليا ، ولكن البسطاء من شعب مصر لم يمسهم التغيير الموضوعي بعد ، وهؤلاء قد تم كتم أنفاسهم وحقوقهم عشرات السنين قهرا ، وبعد أن حررت الثورة أفواههم لن يقبلوا أن نتطالبهم بكتم أنفاسهم طواعية ، فلن يجدوا بظروفهم الحالية التبرير الكافي ليفعلوا ذلك ، وهذا هو الإشكال الحقيقي ... أعلم أن الإقتصاد فيخطر ودعمه يحتاج لإستقرار سياسي وإجتماعي وأمني ؛ والمطالب الفئوية - بالرغم من مشروعية معظمها إلا إنها تؤثر سلبيا على الإستقرار الإجتماعي وعجلة الإنتاج ، ولكي نوازن بين حق الناس في المطالبة وحق الدولة في الإستقرار أقترح الآتي:
أولاً مؤتمر قوى وطنية يذاع على الهواء (من غير تدخل صحفي وإعلامي) تشرفه سيادتك بشعبيتك الطاغية وتأثيرك الهادئ المطمئن تشرح فيه أبعاد ميزانية الدولة والعجز الإقتصادي ببساطة يفهمها رجل الشارع ، وعلى طريقة هذا دخلنا المتناقص وهذه مصاريفنا المتزايدة – وبالأرقام حتى يتسنى للشعب العامل أن يشارك في الحكم والمعرفة كما تحتمه عليه مسئولية العمل الوطني.
ثانياً الإعلان عن مشروعية معظم المطالب الفئوية ولكن ... لا يمكن أن تتحدث الحكومة مع آلاف من البشر يوميا ، وبناء عليه يتم تفعيل دور النقابات بإنتخابات حرة جديدة في كل نقابة حتى يتوفر لها ومنها المتحدث المتفق عليه من أعضائها ، فيكون هو رمزها التفاوضي مع الحكومة ، وعلى جانب آخر يعلن عن إنشاء نقابة بالإخطار لكل من لا نقابة له– وكما تنوون العمل في قانون الأحزاب – وبعد الإنشاء يتم إختيار ممثل هذه النقابة أو تلك ليتحدث باسمها مع الحكومة.
هذان البندان يدخلان الشعب في تجربة الحكم والمعرفة بإقتصاديات وأزمات بلده أولا ، وفي نفس الوقت يمارس البسطاء حقوقهم الإنتخابية والشرعية فيتمرنوا في نقاباتهم على ممارسة الديموقراطية الحقيقية ثانيا ، وهي تجارب مفيدة على مستويات مختلفة فيصبح الكل جاهز لتجربة الديموقراطية الكبرى أثناء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية. إن هؤلاء الناس لم يجدوا الطريق الشرعي ليعلنوا مطالبهم ، وأيضا لم يمسهم التغيير بعد فما كان منهم إلا صدور رد فعل طبيعي برئ .. وهو النزول للشارع ، وقد يكون تم إستخدامهم بشكل منهجي ومنظم كسلاح مجتمعي للإضرارالعمدي بالبلاد ، فلماذا لا نسحب السلاح من أيدي أعداء الوطن أو على الأقل نحيده من الإستخدام ، وذلك بأن نوجد لهؤلاء قناة شرعية يتقدموا فيها بمطالبهم بعيدا عن الشارع ، ومن يخالف هذا يكون قد أظهر نيته الحقيقية ويتعرض لقانون تجريم الإعتصامات ، ولكن لا يمكن تفعيل مثل هذا القانون قبل أن نوجد لهم البديل .. إن ترتيب الأمور هو أهم استراتيجية من وجهة نظري لإستيعاب الملايين من الشعب ، الناس تريد أدلة صارخة وفاعلة على إن الحكومة تراهم وتسمعهم ، وبعدها ستحصل منهم الحكومةعلى أقصى درجات العمل والتفاني .. هذه هي طبيعة شعب أذهل العالم بأخلاقه وطموحهومن قبلهما بصبره .. وسيادتكم أعلم مني بذلك ، كما إن إقتصاد الوطن الذي في خطر ماهو إلا إقتصاديات أفراد شعبه التي في إنهيار .. إن إشغال الناس بالعمل السياسي والنقابي يفتح لهم الأمل في المشاركة وتوصيل صوتهم إلى الأعلى ، ويجعلهم يعودوا لأعمالهم فتستقر الأمور الإجتماعية ومن بعدها السياسية ، وبهذا نكون قد تحركنا على الصعيدين في آن واحد ، كما إن إنتخابات النقابات قد تأخذ عدة أشهر لإتمامها مما يتيح للحكومة فرصة إلتقاط الأنفاس والعمل بالتوازي مع عجلة الإنتاج المجتمعي.
سيدي رئيس الوزراء ، أعتذر على الإطالة ، ولكنها رغبتي في نيل شرف الحديث معك والمشاركة في الرأي لحل وجع قلب وطن هو رمانة ميزان العالم ، وهو في عرف الدنيا أغلى الأوطان وأولها على الإطلاق.