هذه الكلمة تعني أي شئ غير التوريث .. فالوارثة تعني نقل الملكية دون تطوير أو إضافة للمتلكات ، أما التعليم فهو نقل للمعلومة بطرق متعددة حرفية ، يتفنن فيها المعلم بإضافة بصمته الشخصية في محاولة منه لتوصيل جوهر العلم لطالبه ، وبذلك يتحول الطالب لخطوة على طريق العلم ، ويصبح إمتداد لمعلمه وليس ببغاء عند معلمه .. وهناك مخلوقات غير البشر تتقن فن التقليد ولكنها لا تتطور وليست بمسئولة عن إعمار الأرض ، أما الإنسان فهو مخترع المدرسة التي أخرج منها أجيال ؛ أفضل منه علماً .. هذا هو التطور ، وكما نرى فهو مرتبط تماماً بالتعليم الذي يدعم مقولة "دائماً هناك خطوة للأمام" ، فلايوجد تعليم اسمه "محلك سر".
المشكلة المصرية في التعليم هي تطويره ، فالعملية التعليمية مبنية في الظاهر على أربعة عناصر: الأبنية ، المعلم ، الطالب ، والعلم نفسه .. ومن وقت لآخر ينالهم التطوير ، فتارة نرفع أجر المعلم ، وتارة نزيد معلوماته .. بل ونمتحنه فيها ، وتارة أخرى نطور الأبنية ونجعلها خمسة نجوم .. وأحياناً نطور الطالب نفسه من حيث الملبس والنشاطات والترفيه .. وأخيراً ظهر إتجاه جاد لتغيير مناهج التعليم وإلغاء ما يعتبره المتخصصون حشو لا قيمة له .. كل هذا جميل .. ولكن من قال أن الرازي كان يجلس في بناية فخمة؟ أو أن ابن الحسن كان يلبس ملابس خاصة لتمكنه من تحصيل العلم؟ ومن قال أن البخاري كان لديه وسائل إنتقال مريحة؟ ثم إن أرسطو وسقراط لم يحتاجا لزيادة في المرتب ليتمكنا من تعليم تلاميذهما .. والخلاصة أن العلم ينتقل من جيل إلى جيل بوسيلة ما ، وهذه الوسيلة نفتقدها في مصرنا ، وبالتالي فكل ما نفعله من تطوير في العناصر الأربعة للعملية التعليمية يذهب سدى ، لابد من أن نطور العنصر الخامس ؛ ألا وهو "وسيلة التعليم".
يجب أن تتطور وسائل التعليم بما يتناسب مع المتلقي وثقافته ومزاجه العام ، فالعلم بضاعة تحتاج إلى تسويق والطالب هو الزبون الذي يجب إرضاء ذوقه في شكل البضاعة حتى يتقبل مضمونها ، وإلا سيرفضها ويتنازل عن السعي وراءها ، فيبور العلم ويقل عدد الباحثين عنه وتتراجع الأمة في مصاف المتعلمين .. وهذا هو الواقع الذي نعيشه. إن المعلم الذي يصر على أن يلقن الطالب المعلومة "علشان هي كده" سيصاب بالفشل العلمي وسيفقد إهتمام الطالب ، فالإنسان بطبعه - والجيل الحالي خاصة - تواق للبحث والمعرفة والمشاركة بنفسه وليس عن طريق التلقي الساكن والخاضع لكلام مدرس ، لابد من التعليم بإستخدام الحوار والنقاش والبحث .. فهذا النمط من التعليم سيجعل أبناءنا على وعي كامل بحقائق علمية هم الذين بحثوا عنها وناقشوها ، فيكتسبون - إضافة للعلم - ثقافة الحوار والبحث والنقاش ، وتنمو عندهم القدرة على التفكير والتحليل .. إنني أؤمن بأن الطالب الذي يعتبر حسبة إثنين وإثنين مشكلة علمية ويحاول أن يصل لإجابتها بنفسه ؛ هو ذاته رجل المستقبل الذي لن يعجز عن حل مشكلة قابلته عند تولي المسئولية ، وأما من تقال له المعلومة صريحة وجافة دون بحث فسيكبر ليكون رجل يرهقه التفكير وتغلبه المشاكل مهما كانت صغيرة .. يا سادة إن مشاكلنا الإدارية نبعت من التعليم التلقيني ، ومشاكلنا العاطفية نمت من ضعف الشباب على إستيعاب تغيرات الطرف الآخر ، وإرتفاع معدل الطلاق جاء من غياب ثقافة الحوار في الأسرة .. والشارع .. والإعلام .. حتى فقد المواطن القدرة على أن يتحدث مع نفسه .. فقتلها ... انتحر ، سواء كان إنتحاراً مادياً بقتل النفس كما نعرفه ، أو إنتحاراً معنوياً بتدمير الأحلام ورمي الذات في أحضان اليأس.
بأقل تكلفة في أبنية تعليمية ، وبأقل مجهود في حصد وتغيير مناهج ، وبأقل إثارة من زيادة مصروفات وأنشطة يمكننا أن نطور التعليم .. إزاي؟ أدعو لساعات قليلة من دورات تديبية يمر بها المعلم ليتدرب على كيفية شرح الدروس بطرق جديدة وحديثة وجريئة ، طرق يشترك فيها الطالب مع زملائه ومع معلمه فينتج عنها ساعات من المشاركة والحوار والنقاش والتنافس الشريف ، والأمثلة كثيرة ومتعددة لمن يريد أن يبحث عنها ، وكلها إثراء للعلم والعملية التعليمية ، وليس هذا فحسب بل هي تدريب على صنع مواطن قادر على المواجهة والتحليل والإدارة ، وساعتها يمكننا القول بأن لدينا وزارة تعمل على التربية .. والتعليم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق