الاثنين، 23 يناير 2012

نقش على النسيم

من أعمق نقطة في التاريخ حيث كان الإنسان هو الكائن الراقي الوحيد وهو المتعلم الوحيد ، بدا وكأنه سيد مملكة الأرض ، عندئذ كانت اللغات أمر واجب وضروري ، وكانت أول اللغات مجرد رموز على صفحات الرمال وأسطح الأحجار ، فكانت حفراً ثم صارت نقشاً ، وتوالت اللغات وطرق الكتابة ، فتدرجت من النقش على الأحجار الصماء وحتى النقش على ضمير الإنسان وكيانه كله ، وبين ذلك وتلك كان هناك نوع ليس بالجديد ولكنه صعب الرؤى ، إنه النقش على النسيم والهواء ، إنه نقش لا يـُرى بالعين المجردة ولا بأدق أدوات الرؤيا ، ولكنه في حقيقة أمره كتابات على الهواء الذي يتنفسه الناس فيملأ صدورهم ويتخلل عقولهم ، فيصبح حقيقة محفورة في الوجدان ، حقيقة لا تقدر السنون على محوها ، ويقف أمامها النسيان عاجز عن الكلام.

والنقش على النسيم ليس له حدود مكانية أو زمنية ، فهو كلمات منقولة عبر الأزمنة والعصور ، وهو مضمون تعشقه الأيام وتراه السنون قنديل حضارة ، ولذلك تجد الخلود مصير هذا النوع من الكتابات ، مصير تختلط فيه المصداقية والحب الذي يتوغل في القلوب ، إن مثل هذه الكتابة على أسطح الرياح يقرؤها الصغير والكبير ، بل تعرفها الخلائق كلها سواء كانت في أدنى أو أرقى صورها ، إنه نقش تتوارثه الأيام ولا ترضى به بديلاً ، كتابة واحدة بلا حاجز لغة ، كتابة منقوشة تتبع لغة أقدم من الأيام وأطول من العصور القادمة ، ولكن العجب أنها لغة لا يراها إلا من أراد أن يراها ، ولن يقرؤها – رغم وجودها - إلا من بحث عن ذلك الوجود ، فهي لغة تخص من يريدها ويتنفس عبيرها ، وقد تأتي أمم بلغات شتى ثم ترحل وترحل معها لغاتها ، ولكن نقش النسيم يبقى ببقاء الأيام فيجري بين الهواء ويتنفسه كل كائن حي يبحث عن الحياة ، ومن منا أو من غيرنا لا يبحث عن الحياة ؟

إنه نقش من عمر الكون ينادي بوحدانية رب الكون ومليكه ...

الأحد، 22 يناير 2012

هل تريد البقاء؟

لايهم ما ألاقيه من أحزان بقدر أهمية التكيف معها ، لا يهم مقدار العذاب طالما قادر على تحمله ، ولا يهم مقدار الفرح طالما قادر على استيعابه ، وأعتقد أن طوفان من المشاعر النبيلة سيكون حتماً السبيل الوحيد للتكيف .. أو للتحمل .. أو للإستيعاب ، ولايجب علينا أن نـُقابل لآلئ لحظات الحب بالإستهتار والتسفيه ، فمشاعرنا الرقيقة والنسمات القلبية الحانية ليست مجرد كلمات في صيف ضرير ، ولكنها تدفق دموي من الحب يملأ شرايين وعروق .. هذا التدفق من مشاعر الحب هو طابور طويل من الأحلام والأماني ، وهو أيضاً ليس إلا صورة للعطاء وعرض قوي من المحب لإحتواء المحبوب أياً كان ، إنه نهر عزيز يرفض التوقف عند شواطئ الكلمات أو أن تعطله صخور التلميحات .. نهر يتواصل من قلب إلى قلب.

قد يفترق المحبين ، وقد يموت أحدهما أو كلاهما ، وقد يموت الشهود والأعداء ، وقد يندثر العصر كله والأرض والزمان .. لكن الحب يبقى ، فأساطين الحب رحلوا ومعهم زمانهم ومكانهم بعد إختفاء أتباعهم وشهود هيامهم ، ولم يبق إلا تدفقات نهر الحب الذي كان يجري من عشرات .. مئات .. أو آلاف السنين ، فالحب باق بقاء السماوات والأرض .. الحب لا يرحل ولا يموت ، وكل المحبين يئنون نفس الأنين .. القلوب الآدمية تتشابه والعيون الآدمية تملك نفس اللغة ، ورقائق ابن آدم تصاب في نفس المقتل ، لذلك يظل الحب رغم الزمان ، قد يتغير الأسلوب وتتغير الأولويات والقدرة على التعبير ، ويبقى الحب كما هو .. أو هكذا أتمنى.

الخميس، 19 يناير 2012

العشق الأخير

علاقة أكبر من عمري وأبعد من أيام الزمان ، علاقتي معك سنون وأحلام ... آمال ورجاء ، أستمع إليك فكأنك كل الأصوات ، ابحث عن الجميل فأجدك كل الروائع ، أسير في طريق فإذا بك كل الأصحاب ، وإذا سافرت ... أراك في كل الأسفار ، كم من ليالي تذكرتك وتمنيت الرحمة في اللقاء! كم من شموس شهدت على عشقي في النهار! وكم من أقمار لمست دموع الليل ..

الحب ذاته هو جزء من معزوفة اسمك ، والحنان ليس إلا ابن لحظة من إحتوائك ، قد يزاحمني الناس الطريق لكني لا أرى منهم غيرك رفيق ، فسواء كنت معك أو بعيد فحبك وطن من غير حدود .. كل ألم يتلاشى من همسة حب لازالت في الطريق .. عندما أغمض عيني ألمس بقلبي لحظات أقضيها معك .. قد أسقط مبتعداً ولكن رجائي أنك في قلبي .. قد تشغلني حياتي عن وفائي بعشقي ولكن عزائي إنك عشقي الأخير ، إنك طريق حبي وأسوار قلبي وزهوري التي ليس لها من ذبول .. إنها ترتوي بماء من نهر السماء ؛ نهر حبي الذي هو أطول من الأزمان وأعمق من الوديان .. نهر حبي الذي لا ينضب في صحراء الدنيا ولا يتجمد مع برودة مشاعر الناس ، إنه نهري أنا .. دافئ دائماً بشمس حبك وقمر لياليك .. ولولا النهر لما كتبت الكلمات ولا قضيت أوقات أتمنى اللقاء.

حب يمتد حتى السماء ، يلامس أركان الأرض ويفوق أعالي الجبال .. حب يرسل الرجاء أملاً في رقة اللقاء .. حب أثرى الروح والعقل وكل الأرجاء .. حب يحيا في الرياح والشموس والبرد وكل الأجواء .. لكني دائماً أضعف من إنتظاري ولا أجرؤ على طلب اللقاء .. وعزائي أنك تعلم عجزي عن الثناء .. فكل ما أملك هو عمر من رجاء وشهادة لاإله إلا الله.

الأربعاء، 18 يناير 2012

قوة الورد .. أطول عمراً

كل ما نعيشه في الحياة ينقضي ويمر ، ومهما طال العمر أو قَصُر فكل الأمور مصيرها لنهاية محددة الميعاد ، وقد أردت أن أتكلم عن شئ في حياتنا ليس بجديد ولكنه مستمر ، وربما حتى دون أن ندري شيئاً عن كيفيه إستمراره أو إستقراره بيننا ، هذا الشئ له منافس خطير عنيف ولكنه منافس أبله قصير العمر جداً ، ودائماً ما يَـدَّعي أنه الأطول عمراً والأقدر على الإستمرارية بالرغم من إنه الخاسر المستديم ، وحياته لا تمتد أطول من زمن تصفيق أتباعه له ، وإني لأتمنى من العليّ القدير أن يوفقني لكتابة فكرة صادقة عن ... قوة الورد.

إن العلاقة التنافسية والجريئة بين الحب والغضب ، هي في حقيقتها مباراة وهمية بين شعور محبوب ومفروض علينا بالقدرة الإلهية وهو "الحب" ، وبين شعور مِن صُنعِ أيدينا ولا يقوى على الحياة لأطول من لحظات قليلة ثم يبدأ بعدها في الإنكسار وهو "الغضب" ، ولنبدأ بسؤال بسيط عبارة عن تقييم للفرق بين فترات الحب والرضا في حياتنا وفترات الغضب والكراهية ، والحقيقة إننا سنجد أن معظم فترات العمر تنقضي في نوع من أنواع الحب ، فبدايةً من حب الوطن وصولاً لحُب الذات ومروراً بحُب الأهل والأبناء والعشيرة وفوقهم جميعاً حُب الخالق سبحانه وتعالى ، وفي النهاية كلها أنواع مختلفة من الحب ، والشئ الذي له أنواع كثيرة يكون هو الأكثر شيوعاً وإستخداماً لتعدد مجالاته ، وبستان الحُب واسع عظيم الشأن وبه من أنواع الورود والأزهار ما لا يمكن حصره ، لذلك يسيطر هذا البستان على حقيقتنا وتسير معه أرواحنا أكثر من تتبعها لأمور غيره.

وأما الغضب فهو نوع موحد من الشعور ، يحتوي على الغيظ والرغبة في الإنتقام أو التدمير ، أو حتى الشماته كدرجة من الغضب السلبي ، ولهذا أرى أن الغضب نوع واحد من المشاعر ، نوع ناري يحرق ويدمر الإبتسامة والعقل والقدرة على اتخاذ القرار ، والأسوأ من هذا إنه يحرق العلاقة الإنسانية ، فيصبح مناقضاً لحكمة الله تعالى في خلقه ، فكما قال عز من قائل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ" (الحجرات 13) ، وبالتالي فإن الغضب يعارض منظومة الخلق الإلهية ، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ، فقد روى سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه ‏أن رجلاً قال للنبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏أوصني قال: "‏لا تغضب" ، فردد مراراً ، قال: "لا تغضب" (البخاري 5651) ، وهذا أمر صريح مباشر ، وفي مرة أخرى يسأل رجلُ رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ماذا يباعدني من غضب الله عز وجَّـل ؟ قال: "لا تغضب" (أحمد 6346) ، فهذا هو الخُلُق النبوي الكريم وهذه هي الأوامر الإلهية المقدسة ، الإبتعاد عن نار الغضب الحارقة ، وأن نرحل طوعاً إلى بساتين الحب الحانية ، وعندما استخدم الحق سبحانه وتعالى معنى الغضب في القرآن أشار إلى مدى قوته التدميرية ، فقال تعالى: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" (النحل 61) ، والمولى الخالق سبحانه وتعالى الذي ذَكَر اسم الجبار في القرآن مرة واحدة أشار في أكثر من موضع لمدى الرحمة والمغفرة التي تنتظر كل من يطلبها ، والرحيم الغفور لن يمارس الغفران والرحمة إلا إذا كان يحب عباده ، فالحب طاقة إلهية كبرى أرساها الله تعالى في الأرض من قبل أن يخلق الإنسان ، والحب هو جزء من الرحمة ، تلك الرحمة التي وصفها النبي أنها مائة جزء ، منها تسع وتسعون عند الله تعالى وجزء واحد في الأرض منه تتراحم وتحب الخلائق بعضها بعضاً ، إن جزء واحد من الحب والرحمة في الأرض كان كفيلاً بإعمارها كل هذه القرون الطويلة ، والرسالة على الأرض رسالة رحمة وحب وورود ، أما الغضب فهو فترات إستثنائية لاتـُستَخدَم إلا للضرورة القصوى التي لا ينفع فيها الحب ، فالغضب يأتي دائماً كإبن شرعي لفشل الحب في معالجة الأمور ، ولايجب أن يكون هو الطريق الأول لسياسة رد الفعل البشري ، إن قوة الورد أعلى وأغلى بكثير من نيران الغضب ، وهي أقدر على الإستمرار والإعمار أكثر بكثير من حطام نار الغِّل والقسوة ، وفي لحظات الغضب العارم نجد أن الدفع بكلمة وردية من الرقة قد يجعل كُلاً من الغاضب والمغضوب عليه وكأنهم أصدقاء منذ زمن بعيد ، وكأنهما لم يعرفا عن الغضب شيئاً ، قال تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فـُصِلت 34).

ولازال السؤال قائماً والإجابة في عقولنا ، مَنْ منهما الأطول عمراً ؟ ومَن منهما الأدوم والأوسع أثراً ؟ الحب أم الغضب ؟ وهل يمكن المقارنة بين الحب الذي يولد صغيراً ويكبر وبين الغضب الذي يولد كبيراً ثم يتضاءل ؟ فأي الفريقين أولى بأن يستمر ويبقى ؟

الثلاثاء، 17 يناير 2012

الحب الأعرج

إنه ذلك الحب الذي يجري في قلوبنا ولكنه يقف دائما على أطراف ألسنتنا ، فلا هو يستطيع العودة من حيث أتى ولا هو قادر على ولادة حنين الشوق ورونق العطاء ، إنه هذا النوع من الحب الذي يدخل بستان العاشقين بعرجته الشهيرة ، فينال حظه الوافر من نظرات الشفقة ورقائق القلوب ، ولكنه في ذات الوقت يجني بعرجته تلك كل مقاييس العطف الممزوج بالتجنب والإبتعاد ، فتراه يقف حائراً وحيداً ، وربما تراه في ركن من أركان بستان العشق ، جالساً على الأرض مقتبساً منها هدوءها وحاضناً بناظريه لون طميها الأسود ، والذي ربما يذكره بقدرته على العطاء بالرغم من سواد ليله الرحب ، إنه الحب الذي يولد لكي يلقى مصيره من الموت البطئ والعذاب الشديد ، إنه هذا الحب الذي يـُهان على أطراف المدينة ليل نهار ، ويـُداس في أسواقها بالأقدام ، بل إن كل من يمكنه أن ينال من كرامته لا يدخر وسعاً في أن يهيل عليه من تراب الأحقاد والرفض القاسي ، فيحمل على كاهله كل شبر من تراب أرض العاشقين وبستان الحب الأليم.

لايظن أحد أنه بمنأى عن هذا الحب ، فهذا النوع من الحب قدر محتوم على كل منا ، ونحن لابد لنا أن نتجرعه يوماً ما ، سواء في حب إمرأة أو صديق أو عمل ، أو لعله في حب حلم من أحلامنا أو في حب المال ، وأخيراً يمكنك أن تتجرعه بسهوله في حب الوطن ! نعم إنه الحب الأعرج الذي لا يكاد أن يولد حتى يموت تحت وطأة الهجر والظلم والأنانية ، وقد تحب إمرأة في حياتك تهجرك دون داع ، وقد تأتمن صديق على سرك فيخونك دون مبرر ، وقد تحلم بمستقبل مضيئ وتأتيه من الأسباب ما يجعله حقيقة فإذا بهذا المستقبل يفر من بين يديك وكأنك مصاب بمرض مُعدي ، وقد تحب وطن وتنتمي إليه فإذا به يلفظك خارجه ويجبرك على تجنبه ، بل وقد يجعلك تندم أنك يوماً اشتقت إليه. إن الوطن معنى راقي يجلس في قلبك وفي مشاعرك تجاه الآخرين ، فلو تركوك وحيداً تعاني في سبل الآلام والوحدة والمصير دون عوناً أو سند منهم ، فإنهم بذلك يصبحون وطن خائن ومصير يرفضك قبل أن تنتمي إليه ، وقد سمعنا سلفاً عن خيانة الوطن ولكن أن يخونك وطنك فهذا جديد ... وكثير ، وإن كانت خيانة الوطن لاتطاق ويأتي عقابها المصيري بالموت لفاعلها فما يمكن أن يكون عقاب وطن خان مواطن ؟ كيف يكون مصير شعب بأسره لفظ من قلبه كلمة شعب وتحول أفراده إلى قبائل وشعوب ليتقاتلوا ؟ كيف يمكن أن ترى أقاربك وقد أصبحوا جلاديك وترى أصدقاءك وكأنهم أعدائك الذين يتربصون بك الدوائر ؟ هل يمكن للمرء أن يحيا وهو يحلم بالموت كمصير يرجوه وأمل يتعلق به ؟ هل يمكن للمواطن أن يذهب لعمله وهو ينتظر إعدامه في نهاية هذا العمل ؟ وهل يمكن للطير أن يحلق عالياً ويرفرف إن كان يعلم أن جناحيه هدف حتمي لصائديه؟

إن الحياة كلها كلمة حب وأمر يحيا عليه البشر من قديم العصور ، ولكن أن يكون هذا الحب هشاً قابلاً للكسر والتفتت من أول لحظة حقيقية له ، فهذا أمر يدعو للرثاء بدلاً من الفخر ، كما إنه يرمي بنا في غياهب اليأس بدلاً من دعمنا بطوائف النور والأمل ، الحب الذي تتكسر عظامه في نسيم الصيف لا يمكنه الصمود أمام جحافل البرق والرعد في ليالي الشتاء ، والحب الذي لا يقوى على الصمود أمام ضوء الشموع فلن يراه أحد يوم أن تسطع الشمس وتلقي بأشعتها الذهبية على أرض الحياة ، إن ما نراه الآن من كلمات حب ومعانيه لا تعدو إلا أن تكون حروفاً من ماء كتبناها على أطراف الشفاه دون أن يكون لها سجلاً حقيقياً في قلوبنا أو في نياتنا ، لذلك تجد من يقول أنه يحب تلك المرأة أو تجد من تقول أنها تعشق هذا الرجل وسرعان ما يتحول هذا إلى بخار أيام وغبار لحظات ، وقد تجد من يـُقْسِم بِحب الوطن وحب الأهل والإخوان ، ثم تراه مبتعداً عنهم بأقصى سرعته يوم أن ينادونه ليمد لهم يد المساعدة ، وقد تجد من يتوعد الأعداء ويعلن أنه شهيد يسير على قدمين من أجل وطنه ، ثم تراه يبخل بلحظة صدق في عمله ويضن على هذا الوطن بيوم واحد يضع فيه ذرة من ضمير ، فكيف سيضحي هذا بحياته كلها ؟ إنه حب منافق وأمل كاذب ، إنه غرور زائف بمشاعر هي أصدق ما عرفه الإنسان على الأرض ، هذا الحب الهش هو السمة العصرية الجديدة للمشاعر الإنسانية وهو القانون الذي يحكم معظم العلاقات الإجتماعية ، لن ننكر يوماً أن هناك العديد من شرفاء الحب وفرسان الصدق لا يزالون في حالة من الجهاد والكفاح عن مبادئهم القدسية ولكن يبقى السؤال ... هل لهؤلاء التأثير الكافي أمام عاصفة الخيانة وجبال الإستهتار العاتية ؟ لا تخلو دمائي من أمل ولكن معي أيضاً في جعبتي عقل لا يخلو من جرح لا يندمل ، فهل للحياة بقية أم إن الموت أصبح يسري في أرجائنا قبل أن يحين الأجل بسنين عدة ؟