من أعمق نقطة في التاريخ حيث كان الإنسان هو الكائن الراقي الوحيد وهو المتعلم الوحيد ، بدا وكأنه سيد مملكة الأرض ، عندئذ كانت اللغات أمر واجب وضروري ، وكانت أول اللغات مجرد رموز على صفحات الرمال وأسطح الأحجار ، فكانت حفراً ثم صارت نقشاً ، وتوالت اللغات وطرق الكتابة ، فتدرجت من النقش على الأحجار الصماء وحتى النقش على ضمير الإنسان وكيانه كله ، وبين ذلك وتلك كان هناك نوع ليس بالجديد ولكنه صعب الرؤى ، إنه النقش على النسيم والهواء ، إنه نقش لا يـُرى بالعين المجردة ولا بأدق أدوات الرؤيا ، ولكنه في حقيقة أمره كتابات على الهواء الذي يتنفسه الناس فيملأ صدورهم ويتخلل عقولهم ، فيصبح حقيقة محفورة في الوجدان ، حقيقة لا تقدر السنون على محوها ، ويقف أمامها النسيان عاجز عن الكلام.
والنقش على النسيم ليس له حدود مكانية أو زمنية ، فهو كلمات منقولة عبر الأزمنة والعصور ، وهو مضمون تعشقه الأيام وتراه السنون قنديل حضارة ، ولذلك تجد الخلود مصير هذا النوع من الكتابات ، مصير تختلط فيه المصداقية والحب الذي يتوغل في القلوب ، إن مثل هذه الكتابة على أسطح الرياح يقرؤها الصغير والكبير ، بل تعرفها الخلائق كلها سواء كانت في أدنى أو أرقى صورها ، إنه نقش تتوارثه الأيام ولا ترضى به بديلاً ، كتابة واحدة بلا حاجز لغة ، كتابة منقوشة تتبع لغة أقدم من الأيام وأطول من العصور القادمة ، ولكن العجب أنها لغة لا يراها إلا من أراد أن يراها ، ولن يقرؤها – رغم وجودها - إلا من بحث عن ذلك الوجود ، فهي لغة تخص من يريدها ويتنفس عبيرها ، وقد تأتي أمم بلغات شتى ثم ترحل وترحل معها لغاتها ، ولكن نقش النسيم يبقى ببقاء الأيام فيجري بين الهواء ويتنفسه كل كائن حي يبحث عن الحياة ، ومن منا أو من غيرنا لا يبحث عن الحياة ؟