كل ما نعيشه في الحياة ينقضي ويمر ، ومهما طال العمر أو قَصُر فكل الأمور مصيرها لنهاية محددة الميعاد ، وقد أردت أن أتكلم عن شئ في حياتنا ليس بجديد ولكنه مستمر ، وربما حتى دون أن ندري شيئاً عن كيفيه إستمراره أو إستقراره بيننا ، هذا الشئ له منافس خطير عنيف ولكنه منافس أبله قصير العمر جداً ، ودائماً ما يَـدَّعي أنه الأطول عمراً والأقدر على الإستمرارية بالرغم من إنه الخاسر المستديم ، وحياته لا تمتد أطول من زمن تصفيق أتباعه له ، وإني لأتمنى من العليّ القدير أن يوفقني لكتابة فكرة صادقة عن ... قوة الورد.
إن العلاقة التنافسية والجريئة بين الحب والغضب ، هي في حقيقتها مباراة وهمية بين شعور محبوب ومفروض علينا بالقدرة الإلهية وهو "الحب" ، وبين شعور مِن صُنعِ أيدينا ولا يقوى على الحياة لأطول من لحظات قليلة ثم يبدأ بعدها في الإنكسار وهو "الغضب" ، ولنبدأ بسؤال بسيط عبارة عن تقييم للفرق بين فترات الحب والرضا في حياتنا وفترات الغضب والكراهية ، والحقيقة إننا سنجد أن معظم فترات العمر تنقضي في نوع من أنواع الحب ، فبدايةً من حب الوطن وصولاً لحُب الذات ومروراً بحُب الأهل والأبناء والعشيرة وفوقهم جميعاً حُب الخالق سبحانه وتعالى ، وفي النهاية كلها أنواع مختلفة من الحب ، والشئ الذي له أنواع كثيرة يكون هو الأكثر شيوعاً وإستخداماً لتعدد مجالاته ، وبستان الحُب واسع عظيم الشأن وبه من أنواع الورود والأزهار ما لا يمكن حصره ، لذلك يسيطر هذا البستان على حقيقتنا وتسير معه أرواحنا أكثر من تتبعها لأمور غيره.
وأما الغضب فهو نوع موحد من الشعور ، يحتوي على الغيظ والرغبة في الإنتقام أو التدمير ، أو حتى الشماته كدرجة من الغضب السلبي ، ولهذا أرى أن الغضب نوع واحد من المشاعر ، نوع ناري يحرق ويدمر الإبتسامة والعقل والقدرة على اتخاذ القرار ، والأسوأ من هذا إنه يحرق العلاقة الإنسانية ، فيصبح مناقضاً لحكمة الله تعالى في خلقه ، فكما قال عز من قائل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ" (الحجرات 13) ، وبالتالي فإن الغضب يعارض منظومة الخلق الإلهية ، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ، فقد روى سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: "لا تغضب" ، فردد مراراً ، قال: "لا تغضب" (البخاري 5651) ، وهذا أمر صريح مباشر ، وفي مرة أخرى يسأل رجلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يباعدني من غضب الله عز وجَّـل ؟ قال: "لا تغضب" (أحمد 6346) ، فهذا هو الخُلُق النبوي الكريم وهذه هي الأوامر الإلهية المقدسة ، الإبتعاد عن نار الغضب الحارقة ، وأن نرحل طوعاً إلى بساتين الحب الحانية ، وعندما استخدم الحق سبحانه وتعالى معنى الغضب في القرآن أشار إلى مدى قوته التدميرية ، فقال تعالى: " وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" (النحل 61) ، والمولى الخالق سبحانه وتعالى الذي ذَكَر اسم الجبار في القرآن مرة واحدة أشار في أكثر من موضع لمدى الرحمة والمغفرة التي تنتظر كل من يطلبها ، والرحيم الغفور لن يمارس الغفران والرحمة إلا إذا كان يحب عباده ، فالحب طاقة إلهية كبرى أرساها الله تعالى في الأرض من قبل أن يخلق الإنسان ، والحب هو جزء من الرحمة ، تلك الرحمة التي وصفها النبي أنها مائة جزء ، منها تسع وتسعون عند الله تعالى وجزء واحد في الأرض منه تتراحم وتحب الخلائق بعضها بعضاً ، إن جزء واحد من الحب والرحمة في الأرض كان كفيلاً بإعمارها كل هذه القرون الطويلة ، والرسالة على الأرض رسالة رحمة وحب وورود ، أما الغضب فهو فترات إستثنائية لاتـُستَخدَم إلا للضرورة القصوى التي لا ينفع فيها الحب ، فالغضب يأتي دائماً كإبن شرعي لفشل الحب في معالجة الأمور ، ولايجب أن يكون هو الطريق الأول لسياسة رد الفعل البشري ، إن قوة الورد أعلى وأغلى بكثير من نيران الغضب ، وهي أقدر على الإستمرار والإعمار أكثر بكثير من حطام نار الغِّل والقسوة ، وفي لحظات الغضب العارم نجد أن الدفع بكلمة وردية من الرقة قد يجعل كُلاً من الغاضب والمغضوب عليه وكأنهم أصدقاء منذ زمن بعيد ، وكأنهما لم يعرفا عن الغضب شيئاً ، قال تعالى: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فـُصِلت 34).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق