إنه ذلك الحب الذي يجري في قلوبنا ولكنه يقف دائما على أطراف ألسنتنا ، فلا هو يستطيع العودة من حيث أتى ولا هو قادر على ولادة حنين الشوق ورونق العطاء ، إنه هذا النوع من الحب الذي يدخل بستان العاشقين بعرجته الشهيرة ، فينال حظه الوافر من نظرات الشفقة ورقائق القلوب ، ولكنه في ذات الوقت يجني بعرجته تلك كل مقاييس العطف الممزوج بالتجنب والإبتعاد ، فتراه يقف حائراً وحيداً ، وربما تراه في ركن من أركان بستان العشق ، جالساً على الأرض مقتبساً منها هدوءها وحاضناً بناظريه لون طميها الأسود ، والذي ربما يذكره بقدرته على العطاء بالرغم من سواد ليله الرحب ، إنه الحب الذي يولد لكي يلقى مصيره من الموت البطئ والعذاب الشديد ، إنه هذا الحب الذي يـُهان على أطراف المدينة ليل نهار ، ويـُداس في أسواقها بالأقدام ، بل إن كل من يمكنه أن ينال من كرامته لا يدخر وسعاً في أن يهيل عليه من تراب الأحقاد والرفض القاسي ، فيحمل على كاهله كل شبر من تراب أرض العاشقين وبستان الحب الأليم.
لايظن أحد أنه بمنأى عن هذا الحب ، فهذا النوع من الحب قدر محتوم على كل منا ، ونحن لابد لنا أن نتجرعه يوماً ما ، سواء في حب إمرأة أو صديق أو عمل ، أو لعله في حب حلم من أحلامنا أو في حب المال ، وأخيراً يمكنك أن تتجرعه بسهوله في حب الوطن ! نعم إنه الحب الأعرج الذي لا يكاد أن يولد حتى يموت تحت وطأة الهجر والظلم والأنانية ، وقد تحب إمرأة في حياتك تهجرك دون داع ، وقد تأتمن صديق على سرك فيخونك دون مبرر ، وقد تحلم بمستقبل مضيئ وتأتيه من الأسباب ما يجعله حقيقة فإذا بهذا المستقبل يفر من بين يديك وكأنك مصاب بمرض مُعدي ، وقد تحب وطن وتنتمي إليه فإذا به يلفظك خارجه ويجبرك على تجنبه ، بل وقد يجعلك تندم أنك يوماً اشتقت إليه. إن الوطن معنى راقي يجلس في قلبك وفي مشاعرك تجاه الآخرين ، فلو تركوك وحيداً تعاني في سبل الآلام والوحدة والمصير دون عوناً أو سند منهم ، فإنهم بذلك يصبحون وطن خائن ومصير يرفضك قبل أن تنتمي إليه ، وقد سمعنا سلفاً عن خيانة الوطن ولكن أن يخونك وطنك فهذا جديد ... وكثير ، وإن كانت خيانة الوطن لاتطاق ويأتي عقابها المصيري بالموت لفاعلها فما يمكن أن يكون عقاب وطن خان مواطن ؟ كيف يكون مصير شعب بأسره لفظ من قلبه كلمة شعب وتحول أفراده إلى قبائل وشعوب ليتقاتلوا ؟ كيف يمكن أن ترى أقاربك وقد أصبحوا جلاديك وترى أصدقاءك وكأنهم أعدائك الذين يتربصون بك الدوائر ؟ هل يمكن للمرء أن يحيا وهو يحلم بالموت كمصير يرجوه وأمل يتعلق به ؟ هل يمكن للمواطن أن يذهب لعمله وهو ينتظر إعدامه في نهاية هذا العمل ؟ وهل يمكن للطير أن يحلق عالياً ويرفرف إن كان يعلم أن جناحيه هدف حتمي لصائديه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق