الثلاثاء، 17 يناير 2012

الحب الأعرج

إنه ذلك الحب الذي يجري في قلوبنا ولكنه يقف دائما على أطراف ألسنتنا ، فلا هو يستطيع العودة من حيث أتى ولا هو قادر على ولادة حنين الشوق ورونق العطاء ، إنه هذا النوع من الحب الذي يدخل بستان العاشقين بعرجته الشهيرة ، فينال حظه الوافر من نظرات الشفقة ورقائق القلوب ، ولكنه في ذات الوقت يجني بعرجته تلك كل مقاييس العطف الممزوج بالتجنب والإبتعاد ، فتراه يقف حائراً وحيداً ، وربما تراه في ركن من أركان بستان العشق ، جالساً على الأرض مقتبساً منها هدوءها وحاضناً بناظريه لون طميها الأسود ، والذي ربما يذكره بقدرته على العطاء بالرغم من سواد ليله الرحب ، إنه الحب الذي يولد لكي يلقى مصيره من الموت البطئ والعذاب الشديد ، إنه هذا الحب الذي يـُهان على أطراف المدينة ليل نهار ، ويـُداس في أسواقها بالأقدام ، بل إن كل من يمكنه أن ينال من كرامته لا يدخر وسعاً في أن يهيل عليه من تراب الأحقاد والرفض القاسي ، فيحمل على كاهله كل شبر من تراب أرض العاشقين وبستان الحب الأليم.

لايظن أحد أنه بمنأى عن هذا الحب ، فهذا النوع من الحب قدر محتوم على كل منا ، ونحن لابد لنا أن نتجرعه يوماً ما ، سواء في حب إمرأة أو صديق أو عمل ، أو لعله في حب حلم من أحلامنا أو في حب المال ، وأخيراً يمكنك أن تتجرعه بسهوله في حب الوطن ! نعم إنه الحب الأعرج الذي لا يكاد أن يولد حتى يموت تحت وطأة الهجر والظلم والأنانية ، وقد تحب إمرأة في حياتك تهجرك دون داع ، وقد تأتمن صديق على سرك فيخونك دون مبرر ، وقد تحلم بمستقبل مضيئ وتأتيه من الأسباب ما يجعله حقيقة فإذا بهذا المستقبل يفر من بين يديك وكأنك مصاب بمرض مُعدي ، وقد تحب وطن وتنتمي إليه فإذا به يلفظك خارجه ويجبرك على تجنبه ، بل وقد يجعلك تندم أنك يوماً اشتقت إليه. إن الوطن معنى راقي يجلس في قلبك وفي مشاعرك تجاه الآخرين ، فلو تركوك وحيداً تعاني في سبل الآلام والوحدة والمصير دون عوناً أو سند منهم ، فإنهم بذلك يصبحون وطن خائن ومصير يرفضك قبل أن تنتمي إليه ، وقد سمعنا سلفاً عن خيانة الوطن ولكن أن يخونك وطنك فهذا جديد ... وكثير ، وإن كانت خيانة الوطن لاتطاق ويأتي عقابها المصيري بالموت لفاعلها فما يمكن أن يكون عقاب وطن خان مواطن ؟ كيف يكون مصير شعب بأسره لفظ من قلبه كلمة شعب وتحول أفراده إلى قبائل وشعوب ليتقاتلوا ؟ كيف يمكن أن ترى أقاربك وقد أصبحوا جلاديك وترى أصدقاءك وكأنهم أعدائك الذين يتربصون بك الدوائر ؟ هل يمكن للمرء أن يحيا وهو يحلم بالموت كمصير يرجوه وأمل يتعلق به ؟ هل يمكن للمواطن أن يذهب لعمله وهو ينتظر إعدامه في نهاية هذا العمل ؟ وهل يمكن للطير أن يحلق عالياً ويرفرف إن كان يعلم أن جناحيه هدف حتمي لصائديه؟

إن الحياة كلها كلمة حب وأمر يحيا عليه البشر من قديم العصور ، ولكن أن يكون هذا الحب هشاً قابلاً للكسر والتفتت من أول لحظة حقيقية له ، فهذا أمر يدعو للرثاء بدلاً من الفخر ، كما إنه يرمي بنا في غياهب اليأس بدلاً من دعمنا بطوائف النور والأمل ، الحب الذي تتكسر عظامه في نسيم الصيف لا يمكنه الصمود أمام جحافل البرق والرعد في ليالي الشتاء ، والحب الذي لا يقوى على الصمود أمام ضوء الشموع فلن يراه أحد يوم أن تسطع الشمس وتلقي بأشعتها الذهبية على أرض الحياة ، إن ما نراه الآن من كلمات حب ومعانيه لا تعدو إلا أن تكون حروفاً من ماء كتبناها على أطراف الشفاه دون أن يكون لها سجلاً حقيقياً في قلوبنا أو في نياتنا ، لذلك تجد من يقول أنه يحب تلك المرأة أو تجد من تقول أنها تعشق هذا الرجل وسرعان ما يتحول هذا إلى بخار أيام وغبار لحظات ، وقد تجد من يـُقْسِم بِحب الوطن وحب الأهل والإخوان ، ثم تراه مبتعداً عنهم بأقصى سرعته يوم أن ينادونه ليمد لهم يد المساعدة ، وقد تجد من يتوعد الأعداء ويعلن أنه شهيد يسير على قدمين من أجل وطنه ، ثم تراه يبخل بلحظة صدق في عمله ويضن على هذا الوطن بيوم واحد يضع فيه ذرة من ضمير ، فكيف سيضحي هذا بحياته كلها ؟ إنه حب منافق وأمل كاذب ، إنه غرور زائف بمشاعر هي أصدق ما عرفه الإنسان على الأرض ، هذا الحب الهش هو السمة العصرية الجديدة للمشاعر الإنسانية وهو القانون الذي يحكم معظم العلاقات الإجتماعية ، لن ننكر يوماً أن هناك العديد من شرفاء الحب وفرسان الصدق لا يزالون في حالة من الجهاد والكفاح عن مبادئهم القدسية ولكن يبقى السؤال ... هل لهؤلاء التأثير الكافي أمام عاصفة الخيانة وجبال الإستهتار العاتية ؟ لا تخلو دمائي من أمل ولكن معي أيضاً في جعبتي عقل لا يخلو من جرح لا يندمل ، فهل للحياة بقية أم إن الموت أصبح يسري في أرجائنا قبل أن يحين الأجل بسنين عدة ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق