الاثنين، 23 أبريل 2012

تذكر متأخراً

كان يسير في طريق طويل ، إعتاد أن يسير فيه منذ أن كان طفلاً ، هو يعرف جيداً أنه طريق طويل وربما هذا هو السبب في أن يمسك في يده بعصاته القديمة ، لكنه كان محتاراً في سبب خروجه بها اليوم ، ربما ليتكأ عليها عندما يتعب من السير الطويل ، فقد كبر سنه وربما خاف من التعب والمشوار الذي لا ينتهي ، هذا بالرغم من إنه يذكر جيداً أن أكثر ما كان يسعده في هذا الطريق أنه لا ينتهي ، فقد كان في أيام صباه يسير فيه متأملاً حاله وحال الناس من حوله ، كان يحلم من آن لآخر بأن ينتهي هذا الطريق على حلم من أحلامه يتحقق ... كانت أحلام الصبا كثيرة ومترامية الأطراف ، كانت من غير أولويات - تماماً كأحلام طفل في محل من اللعب ، أو كأحلام مسافر صحراء يبحث عن ظلال بين الأشجار .. لم تدم أيام الصبا طويلاً فقد ترك هذا الطريق منذ زمن بعيد ، لا يذكر متى ولا كيف تركه ، ولكنه متأكد أنه كان بعيد عنه في الفترة السابقة ... ولكن مرحى فها هو الآن يسير فيه ، ربما لا يرى كل ما إعتاد رؤيته في الماضي ، ربما إرتفعت الأصوات من حوله قليلاً ، فمن المتوقع أن يزداد الشارع إزدحاماً ، كما إزدحمت الأفكار في رأسه ، وإلتحمت مع باقي الأحلام فلم يعد يدرك ما الذي تحقق منها وما الذي ينتظر دوره لكي .. يأتي أو لا يأتي.

فجأة رآها ... قمر ترك عليائه ويسير في الطريق أمامه .. إنها تتجه نحوه بنفس الخطوات التي حلم بها ، ها هي تضيئ كل الشارع كما كان يتمنى أن يرى في صباه ، إنها هي بكل ما أوتيت من جمال ورونق بسمات ، نعم إنها هي فهو لا يمكن أن يخطئها ، فربما أخطأ في الكثير من الأمور من قبل ، وربما سيخطئ في المستقبل أيضاً ، ولكنه متأكد الآن إنه لا يخطئ في رؤيتها ، فهي لا تتكرر إلا في أحلامه ولا تأتيه تتهادى إلا إذا إحتاجها ، ظن أنه يحلم فجعل يفرك في عينيه لعله يستيقظ من نومه ، ولكنه كان متيقظاً .. إذن إنها هي فعلا ، ولماذ يشك في الأمر إذا ما كانت إبتساماتها تسبقها وهي تسير نحوه ، وكيف له أن يجروء فيكذب البسمات ؟ فسبق وأن جرؤ وكـذب يقظته وشعور الألم الذي يملأ قدميه من آثار السير الطويل ؟ لا لن يكذبها بعد الآن فهي قادمة ويالسعادته بهذا المجيئ .. تنفس الصعداء كلما رآها تقترب أكثر وأكثر فتتلألأ حبات المطر من جبينها وبسمات النور من شفتيها .. إنها الحب بكل ما أوتي من قوة .. لقد كان يناديها بنور الحب ولم يناديها باسمها ، شعر بجسده أخف من اللازم ، بل إنه فقد الشعور بالأرض ، تأكد أنه إحساس وهمي من فرط سعادته برؤيتها ، ها هو - كما يقال - يطير فرحاً وطرباً لرؤيتها ... ولكن ياللهول ، ما اسمها ؟ لقد نسي ، كيف له أن ينسى اسم من أحب وانتظر طوال عمره؟ إنها كارثة ، لقد إقتربت منه كثيرا ، وآن الأوان ليسلم عليها ، فبماذا سيناديها ؟ شعر أن العالم يدور برأسه ، وأن الأرض ليست هنا ، فقد نسي اسم حبيبته التي قضى العمر ينتظرها ، نسي الاسم الوحيد الذي ظل يكرره ليل نهار في يقظته وفي المنام ، أتكون المفاجأة أذهلته فأنسيته الاسم ، أم إنها شيخوخته التي أصابت كل شئ فيه حتى أنسته قلبه وعقله وكيان حبه؟ لم يجد الإجابة ، ظل يصارع ذاكرته ويحفر بها لعله يتذكر .. هاهي تمد يدها لتسلم عليه ... يا ربي ماذا سأقول بعد السلام؟ ولم يجد المسكين بديلاً من أن يمد يده ليسلم عليها ... وفجأة سقط على الأرض ، لم يفقد وعيه ولكنه فقد إتزانه ، إزداد الموقف إحراجاً ، ولكنه تمالك نفسه ليبحث عن يديها الممدودة حتى تشده وتساعده على النهوض .. لم يجد اليد ، بل لم يجد الطريق ولا السماء ، لم ير أي مخلوق .. إختفت الأشجار والأزهار ، ما هذا؟ ما الذي حدث؟ بحث بيده عن عصاه التي تركها من يده لحظة أن أراد أن يسلم علي حبيبته الغائبة ... وجدها واستند عليها ليقف ، ثم حاول أن يتنفس عبير الحبيب الذي لا زال في ذاكرته ، فإذا بنسمات باردة تحيط به وصوت حبات المطر على الأرض ، ولكنه لا يرى شيئا ... نعم ، لقد تذكر الآن ... إنه مجرد رجل يسير في الطريق معتمداً على عصاه ، لإنه ... أعمى.

حق الإنتظار

الإنتظار هو العلاقة الحديثة بين الحب والإنسان ، فكل منهما ينتظر الآخر وكأنهما غريبان أو فريقان ، بالرغم من أن حقيقة الأمر تخبرنا أن عمر الإثنين بدأ سوياً ، بل إنهما رفيقان من يوم أن قال أبو البشر أول كلمات الحمد ، فالحب هو الهواء الذي يتردد في صدر الإنسان ، وهو البصر الذي بواسطته أدرك الإنسان حق الفراشة في الطيران وحق الزهرة في جمال الألوان ، والحب هو الوقود الأساسي لنبضات القلب التي يسمعها القاصي والداني مناديةً على اسم المحبوب - أرق الأسماء وأعذبها عند قلب الحبيب ، وحتى وإن لم يكن للمحبوب اسماً فالإنتظار من أجل الحب هو الاسم الحقيقي لحبيب قد تلده الأيام وتبعث به سنون العالم ، عندها يستقر العاشق الحقيقي وهو يرى أمامه القلب الحنون المـُنتظر.

ودائماً أجمل ما في الإنتظار هو أن يكون من الطرفين ، فعندما يجد الحبيب حبه في إنتظاره يكون قد أدرك العين والبصر معاً ، أو كأنما يكون قد ملك القلب ونبضه ، يكون قد حقق الشعور والقدرة على التعبير في نفس الوقت ، إنه النعيم على الأرض عندما يصبح الإنسان قلب يحب فيقابله حبيبه بصفة الحب الذي له قلب ، إنه التكامل في المشاعر والتواصل في نغمات الحياة ، وفي هذه الحالة لن يكون الموت بقادر على تمزيق هذا العالم العاشق ، ولن تكون الجنة عنهما ببعيد.

ولكل من ينتظر أقول إنك لست وحدك ، وأن إنتظارك لن يطول ، فسرعان ما ستجد الحب معك في الواقع .. أو في الحلم .. أو في الخيال ، وإن لم يأتيك في موعده فلعلك تستطيع أن تتجرعة أملاً في الحياة أو تتشربه في قلبك من خلال بسمات الأطفال وألوان الزهور ، قد تستطيع أن تجد الحب في قدرتك على العطاء ، فالحب يتواجد في كل الأمكنة إن لم تجده مجتمعاً في شخص ما ، وتأكد أن الحب لا يحبسه جسد ولا يطويه زمان ، بل إنه ليس له قانون يخضع له إلا قانون واحد ؛ قانون حرية الإبداع والخيال والجمال ، فالحرية هي التي خـُلقنا عليها ونحيا بها ، والموتى فقط هم الذين لا يملكون حرياتهم ، ولا يملكون حتى حق الإنتظار.

الأحد، 22 أبريل 2012

البحث عن نهاية

تتلاقى الوجوه وكأنه اللقاء الأول ، ويصبح الأقرباء غرباء في كلمة .. أو في موقف ، وقد تمتد الغربة كلحظة لا تنتهي قاصدة كل الحياة ، عندئذ تتبدل الملامح ويصبح لكلٍ هدف غير الآخر ، وتصير النهايات حتمية والبحث عن أفضلها فضيلة .. فأقرباء الأمس لا يحبون جراح النهاية عندما يمسون غرباء اليوم.

يوماً رجوت حب يصدقني .. يرى أبعاد قلبي فلا يخافني أو يحطاط وجودي ، ولكن ثقل مني الكاهل وعـَظُمَ عليَّ الأمر وناءت قدماي تحت وطأة حبي الجريح .. كان لقلبي عندك رصيد وما أن إبتعدتي حتى ضاع مني الرصيد ، كان لوجودي عندك معنى .. وما أن رفضتي المعنى حتى صار وجودي عدم ، حاول القلب أن يصف آلامه وكانت أذناكي تسمع لغة أخرى ونداء أبعد .. حاول العقل أن يسافر في أفكارك فكانت أحلامك أقسى عليه من الحجارة ، وها أنا أقف عارياً من أفكاري ، أتجرع آلام برد الوحدة والغربة وأنا لازلت في أحضان عقلك .. أعاني من الجوع والعطش بالرغم من وجودي في أسواق عاطفتك ، أقف وحيداً برغم الزحام .. أقف غريباً برغم الأقارب والأهل والأخوان ، عصفور أنا .. مطرود من كل الشجر ، طائر صغير لا يقوى على حماية أحلامه أو آهاته .. برئ كان كل أمله في حبه أن يرى النور ، وكانت كل أحلامه تتجمع عند شمعة وسط عالم يحتضن الظلام ؛ عالم أكثر أركانه مضاءه بعود ثقاب .. فلا يلبث أن ينطفئ في لحظات ، إنه مصيري يا صغيرة قلبي وعملاقة حبي .. إنه مصيري الذي قررت أن أقاومه فهاجمني قبل الأوان وكأنه يعاقبني لأني أردت الجوار ، وقد تعلمت أن محاولة وقف النزيف تزيد عمق الجرح ، ومحاولة تجنب الموت البطئ تجعله سريعاً وأكثر إيلاماً.

أرحل بعمر مهزوم وليل حزين ونهار يتيم ، فقدت الأحلام فصارت روحي ضريح قلبي .. هناك نغم أروع من نبضات القلب تم عزفه من سنين ، لم يجد من يسمع أو يفهم أو يفكر فيه ، كان لحن أرق من لمسات الربيع .. يعزف همساته في ليل الشتاء ، ولكن صفير الرياح وأمطار الطريق لن تسمح بظهور اللحن الرقيق .. وكيف يأتي نسيم الربيع وسط ليل شتاء مطير؟

السبت، 21 أبريل 2012

ليس مطلوب منك .. إلا الرحيل

حاولت أن أقنعه بحياته ، حاولت أن ألقي عليه القليل من الأمل وحب الوجود ، ولكني فشلت تماماً ، ومات صديقي القديم بين يدي .. قتله يأسه ولم ينتحر ، قتله حبه فهو لم يكره يوماً .. قتلته الدنيا وهي تلده ، فكانت آخر كلمات سمعتها منه أفظع من موته شخصياً ، ولازالت ترن في أذني من زمن بعيد:
"ما الذي يمكن أن يحدث أسوأ من هذا ؟ ما الذي يمكنه أن يصيبني في مقتل أكثر من هذا ؟ تتلاشى حياتي أمامي دون رحمة أو هوادة ، تتضاءل كل فرص الأمل أو الحنين أو حتى الشفقة ، هل تواجدت في هذا العالم ليحيطني كل هذا اليأس من إسعاد قلب ينبض بين أضلعي رغماً عنه؟ هل بحثت عن المستحيل في صورة آدمية؟ وهل أنا مجرد سراب أو وهم من سلسلة غامضة يائسة من أفكار عاطفة وعاصفة؟ لقد أصابني الملل واليأس من إصلاح قلبي أو جعله ينمو في هدوء ، سئمت سياسة الفشل الروحي التي أحمل توكيلها على الأرض ، أرهق عقلي وقلبي نشيد ألم الوجدان الذي أسمعه وأحفظه في كل ركن بروحي ، هل هو مصير قبل البداية أم إنه رحيل قبل النهاية؟
لقد إحترفت آلام النفس وتخصصت عن جدارة في خدمة تعاسة القلب ، تكرر مني إلقاء قلبي بين مخالب نمور الخوف ونيران القلق ، أفتح عيني فلا أرى ، وأرهف السمع فلا أعقل الصوت ، أتلمس طريقي فاشعر بصقيع الهاوية ، هل مكتوب علي السقوط المستمر من هاوية إلى أخرى ، ولكل هاوية أرض قاسية ترطمني ، ثم تريحني لتضمد جراحي وتلقيني من بعدها إلى هاوية أخرى أكثر عمقاً وأبعد قسوة ، هل الهاويات تتلهف على لقائي ، هل الهاويات تحترف إلقائي ؟ هل أنشودة عمري تزعجها وتؤرق نومها فتتخلص مني واحدة تلو الأخرى ؟ أم إن ثقافة قلبي تشعرهن بإشمئزاز عميق يصعب معه تحملي على أرض صلبة واحدة ... حتى لو كانت هذه الأرض قاتلتي؟ أرى وأجزم وأيقن أن الهاوية الأم تبحث لي عن قبر بين أراضيها ، هي لا تعلم أيهما سيكون قبري فتبحث جاهدة لتتخلص مني ، وهل أنا ثقل عليها حتى يصير موتي هدفاً وأنيني مرحاً؟ ثم هل غرامها برحيلي لا ينتهي فتحاول مثابرة جاهدة؟ ليس خوفي من أن تنجح في قتلي ، ولكن خوفي كل خوفي من أن يكون القبر أسوأ من عمري ، وأن يحتضني في آخر أيامي أكثر أعدائي شراسة وأعلاهم حقداً وكرهاً لي ، فإن كانت حياتي نسيج لا يفتل من إلقاء الهاويات ، فما عسى قبري إلا أن يكون أسوأ مصير يعوضها وقتها ويشفي غليلها مني ... أشعر أنني في هذه الحياة مجرد ... ذنب .. لكنه لا يستحق حتى الإستغفار."
مات الصديق ولم يبق لي منه غير ذكرى أكثر إيلاما من حياته ، ولحظة حب أحتفظ بها له ؛ هي أطول بكل المقاييس من عذاباته في أرضه.

الاثنين، 16 أبريل 2012

الجهاد بالخلق الكريم

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " ، ويقول تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ "

إن الله تعالى خلقنا عبادا له ، لا نملك من أمرنا شيئا إلا ما شاء الله لنا ، وقد أقسم المولى عز وجل في كتابه الكريم بنفسه – وهذا نادرا إن كان تكرر أصلا – قائلا "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ @ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ " ، والمولى عز وجل هو مقسم الأرزاق وهو أعلم بعباده وهو اللطيف الخبير ، وكما قال " وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ " ، ولهذا أعطى الله لأناس ومنع عن أناس رحمة بهم ولإنه سبحانه خبير بما في أنفسهم ، فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويعلم إن أعطاك ماذا ستفعل بعطيته ، وإن منعك فهو يعلم ماذا سيكون رد فعلك لمنعه ، ولنقرأ قوله تعالى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " إن الله يعلم أن هناك من بين البشر من سيعترض على تقسيمه الرزق وسيعتبر أن العطاء كرم من الله والمنع إهانة ، ولكن الله تعالى في محكم آياته يشير إلى إن كلاً من العطاء والمنع هو كرم من الله ، فحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن أمر المؤمن كله خير ، إن أصابه رزق شكر وإن أصابته مصيبة صبر ، وبعض الناس ترى الرزق في المال فقط ، والحقيقة أن الأمان رزق والصحة رزق والبنون رزق وراحة البال رزق والأخلاق رزق ، ونعمة الإسلام رزق ويكفينا خٌلق الفاروق عمر رضي الله عنه عندما أشار لفوائد المصيبة التي قد تصيبه في أي وقت ، وقال أنه يحمد ربه لإنها لم تكن أكبر من ذلك ، وأنها لم تكن في دينه ، ثم يتذكر مصيبته في فقد النبي صلى الله عليه وسلم فتهون عليه مصائب الدنيا ...

إن الإيمان بالله وبالرسول يدفعنا لنعمل بكلام الله ونتأسى برسوله الكريم ، وصعاب الدنيا التي نعانيها لا تساوي شيئا لما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشدائد أيامنا تلك لن تكون أشد تأثيراً من شدائد المسلمين الأوائل ، ومع ذلك صبروا وراعوا حق الله فيهم ، فلم تمنعهم الشدائد من شكر الله على نعمه ، وأيضاُ لم تعوقهم عن الصبر على أقدار الله ، بل إن منهم من إعتبر الشدائد رزقا غاليا يرفع قدره عند الله تعالى إذا هو صبر على بلاء الله له ... إن الجهاد في سبيل الله يبدأ من النفس ، وكما قال تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " وقال أيضا "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ " ، فالذي يغير هو الله تعالى ، وهو سبحانه ينتظر منا أن نعد العدة لهذا التغيير ، نعدها بأن ننقي الأنفس من الشح .. ننقيها من بخل الأخلاق وبخل القلوب وبخل الإيمان بالله وقدره .. نعد أنفسنا بأن نغيرها وننتقي أخلاقنا ، فنتحول من حال مفككة إلى حال ترضي الله عنا ، فالله تعالى يقول "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ، فالفساد يظهر بسبب ، وهو جزاءاً وفاقاً لما إقترفته أيدي الناس ، فسبحان الذي يغير ولا يتغير ، مُقلب القلوب بين أصابعه.

إن الله تعالى لا يرضى بالظلم ولا بالفساد و تواجدهما في الدنيا دعوة لنا للمقاومه الحقيقية ضدهما ، فنقاوم إنتشارهما ونمنع تكرار فرصهما حتى يكون اسم الله السلام والعدل حقا بيننا ، ولكي نفعل هذا يجب علينا أن نتأسى بالرسول الكريم في محنه ، فقد صبر ودعا ربه وعمل في الأرض خير العمل ، الرسول الكريم الذي علم عن ظهر قلب ما معنى المضطر فلم ييأس من رحمه الله ، المضطر الذي تضطره ظروف الدنيا للإستدانة والفقر والمرض وتهجم عليه بمصائبها لتحول بينه وبين سعادة حياته ، ولكنها أبدا لا تحول بينه وبين سعاده قلبه - فقط إذا كان عامرا بالإيمان بقدرة الله تعالى على العطاء والرحمة ، المضطر هو الذي ضاقت عليه الدنيا بما رحبت فيؤمن بالآية "أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ " ، إن هذا المضطر الذي أضرته الدنيا هو أقرب ما يكون لربه ، فإذا أخذ مكانة في العمل أولا ثم الدعاء ثانياً نال الإجابة الإلهية ، ويالها من مكانة أن تطلب من ربك فيستجيب لك .. ولكن البعض يسيئ وبدلا من أن يصبر ويعمل ويدعو ربه لتزول الغمة ، وبدلا من أن يأخذ مقاله سيدنا أيوب "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " نجده يعلو صوته برفض قدر الله له ، وكأنه يقول لله تعالى إنه يرى أن حياته تستحق أفضل من هذا القدر بالرغم من إن الله تعالى لم يخبره بذلك ، ونسأله أطلعت على الغيب أم إتخذت عند الله عهدا؟ ، الخلق النبوي والأسوة الحسنة يعلمنا كيف نتأدب مع الخالق لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فيقول: "إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" ، والخلق واجب وشرط للإيمان مع الذات الإلهية ، ولا يجرؤ العبد أن يدعي العلم أكثر من سيده ، ولا يجوز للعابد أن يتطاول على أقدار المعبود ، ولايجوز للمصلي الذي يستعيذ بالله من النار أن يحرق بها نفسه ، ولايجوز للمؤمن إلا أن يدعو الله تعالى بالصبر والتوفيق في الدنيا والآخرة ، فالأخلاق التي غابت هي الأولى بالرعاية لتعود ، وعلامات الحضارة دائما كانت في أخلاق الأمم ، وكما قال الإمام أحمد بن حنبل أن الحاكم العادل الفاسق خير من الحاكم الظالم المؤمن ، فالأول عدله للناس وفسقه على نفسه ، والثاني إيمانه لنفسه وظلمه على الناس.

الأحد، 15 أبريل 2012

الثورة والإنفجار المجتمعي

يبدأ الأمر دائماً من أعلى إلى أسفل ، يبدأ من موقع السلطة بفرض رأي ما أو إعطاء أمر ما واجب النفاذ ، في حين أن المأمور أو المستمع يرفض هذا الأمر ... عندها تظهر براعة البشر في التعبير عن الرفض.

وسنجد أن أطهر وأبرأ سلوك لإنسان عند رفضه لتنفيذ الأوامر هو سلوك الطفل ، فهو يبدأ إعتراضه بنظرة رافضة يتلوها إعلانه للرفض بالقول ، وإن أصررنا .. بكي ، وإن إزداد إصرارنا صرخ وغضب ، ولو أجبرناه فسيتوجه بسلوكه إلى الجانب العنيف ، عندئذ قد يدمر ماحوله. وبقياس بسيط على سلوك الفرد يأتي سلوك الجماعة ، فنرى الجموع الرافضة للأمر تبدي إعتراضاتها بالطرق الشرعية ، وإن لم يجدي الإعتراض تتجه لمظاهرات وقتية ، سرعان ما تتحول لورقة ضغط فئوية ، وإن أصر أولي الأمر على العناد فستأتي المظاهرات العامة ، تتلوها إعتصامات وإضرابات ، وقد يزداد الأمر سوءاً فتزداد التدخلات ، حتى تصل إلى أسوأ مراحلها ؛ الصدام الدموي.

وسواء كان الحوار مع طفل أو إنسان ناضج أو جموع بشرية ، فأرضية الحوار ستكون حول أسباب الرفض والبدائل المتاحة للوصول للهدف المشترك بين الآمر والمأمور - ولابد أن أؤكد بأهمية الهدف المشترك لكل من يحيا على أرض واحدة ويلتحف بسماء واحدة - وبالتالي فالبدائل عادة ما تأتي من إقتراحات المعترضين ، فالإنسان الذي يعترض على أمر ما لابد وأن يأتي ببديل له ، وهذا البديل لابد وأن تصحبه آلية لتنفيذه وتصور عام لنتائجه ، وعلى هذا الأساس تتم المناقشات... فالبديل موجود ، ليس بالضرورة أن يكون في صورة شخص ، ولكن بالضرورة أن يكون في صورة فكرة وآلية تنفيذ ، يمكن تطبيقها فوراً.

ولكن لدينا عادة سيناريو آخر .. تغيب فيه الرؤية ويغيب فيه البديل ، فها هو ذو السلطة يفرض رأيه أو يعطي أمر ما يجب تنفيذه ، والمأمور أو المستمع لا يملك أن يرفض أو يعترض ، وربما يرفض ويعترض لكن دون رد فعل إيجابي من ذي السلطة - وهذا ما نسميه قهراً ، وبالقهر يفقد الإنسان القدرة على المناورة والنقاش والتفكير ، فالإحساس بالظلم يجعله في حالة من الصراع تمنعه من إيجاد منظومة البدائل ، فهو كالهارب من الصحراء ماشياً في دهاليزها ، أو كالذي يهرب من سفينة تغرق في مياه المحيط فيقفز منها ناسياً أنه لا يجيد علم السباحة .. فالقهر يدفع الإنسان إلى الإنفجار ، حيث لا وقت للتفكير وترتيب الأوراق ، ولا قوة للصبر وتحمل المزيد ، ويتغير الهدف ليصبح الخلاص بدلاً من التطوير والتعديل ، هنا تتقلص فرصة إيجاد البديل للحالي ، ويتلاشى عنصر الوقت لوضع خطة واقعية للتغيير .. إنه إنفجار غاضب.

ولتقريب المفاهيم سأطرح مثال طبي بحت ، نفترض أن هناك تجمع صديدي في يد مريض ، وهو يتألم ويعاني من ضعف حركة اليد المصابة ، هذا المريض لو ذهب للطبيب في هذه المرحلة فسيجد الفرصة الكافية لتجهيز المسكنات والمضادات الحيوية والأدوية اللازمة لفتح الخراج ، وسيجد الوقت لإيجاد الأدوات المعقمة اللازمة للتدخل الجراحي الآمن ، وبالتالي يخرج المريض بعد الجراحة المنتقاه والمعدة سلفاً بأقل مضاعفات وبدون ألم تقريبا ، والنتيجة إلتئام الجرح بسرعة وببساطة ... هذه ثورة على الجرح وجدت البدائل المنظمة ذات الإعداد المسبق. أما في السيناريو الثاني ، فالمريض ترك يده وحاول السيطرة على مرضه بأخذ المسكنات ؛ وهكذا هداه تفكيره غير المتخصص ، فساءت حالته وانفجر الجرح تاركاً ورائه رائحة مريعة وألم مرعب ؛ إضافة لتلوث هائل وتهتك في الأنسجة المحيطة ، وهنا تكون مهمة الطبيب صعبة ومليئة بالآلام والمضاعفات ... هذا إنفجار للجرح المؤلم فلفظ الجسد الصديد – وهو أسوأ ما فيه - بعشوائية وبدون إعداد منظم أو ترتيب أولويات.

إن الثورات تحمل الخير السريع لأهلها ، أما الإنفجار المجتمعي - بسبب معاناته المزمنة فيأتي بالخير البطئ لأهله ، الخير قادم في الحالتين .. فالخير مرتبط في مجيئه بالتغيير والقدرة على الصراخ والتعبير ، الخير مرتبط بالحلم الإنساني الذي خرج من رؤوس البشر ليحيا ؛ سواء خرج بتدبير وترتيب مسبق ، أو خرج منفجراً ليحتاج منا أن نلم شتاته وخصائصه ، المهم إنه خرج ، فميلاد الطفل لابد وأن يكون أهم عندنا من إطعامه وتربيته وتعليمه ... فلولا الميلاد لما كان لزاماً علينا أن ننشغل بالباقي.

أقول هذا لنعلم إجابة سؤال مهم ، بل هو من وجهة نظري الأهم ، هل هي ثورة أم إنفجار مجتمع؟ والإجابة ستفرض علينا خطواتنا القادمة ، والإجابة ستعيد ترتيب أحلامنا ، والإجابة ستنظم من لياقتنا الذهنية فلا نستعجل أمور بطيئة ولا نتباطأ في أمور مستعجلة ... الإجابة مهمة وهي عند كل واحد منا .. هل كانت ثورة سابقة الترتيب والتجهيز ، أم كان إنفجار لمجتمع أرهقه الزمن وأعيته الحاجة؟

الأربعاء، 11 أبريل 2012

نهايات لطريـق واحد

كان اليوم الذي قابلتك فيه هو اليوم الذي حلمت فيه بالحب ، كان يوم اللقاء هو نفسه يوم مجد القلب ، إنه اليوم الذي أرسلت فيه نبض قلبي رسولاً مخلصاً يحمل كل أقمار الليالي وجميع شموس أيامي ، أنظر فأراكي أينما أطلقت لعيني العنان ، أسمع صوتك نسمات هواء كصفير أنغام ، خطواتك هي مثلي الأعلى في موسيقى الرقة والجمال ، أنتي لي رمز لمعاني الحب المتعددة ولأنهار العشق في سهول القلوب ، أنتي لي الكثير والكثير ...

أما إذا فارقتي ، فلتنظري حال العالم من حولي ، واستمعي لحال الدنيا بداخلي ، وهم .. صمت .. حطام وبقايا قلب ، وهل هذا حال من يمكنه الصمود أمام جحافل الشوق والتمني؟ هل للبقايا نصيب في سوق الهوى؟ فلو كان الحب معك مجرد طريق ينتهي ، فهو شاهد على نهايات عدة ، فقد أرى نهاية عقلي الذي التوى على كثرة الذكريات ، وقد ينتهى معه القلب الذي تهشم تحت لهيب الأشواق ، وتجف من بعدهما مشاعر كانت كالمحيطات والأنهار ، فهل مع كل النهايات لازلت أحيا؟ كيف لحطام تائه أن يحيا بين رفات الطريق ، وإذا رفضت أموت تائباً عن حبك فستصبح سيرتي ضريحاً على طريق العشاق ، وتخلد آناتي في حبك أغاني وترانيم المشتاق ، بل إني ساعتها سأحيا في قلوب النهايات.

أرعبني أن أغيب عنك وبدا لي الخوف شبحاً أسوداً ، وعندما أردت أن أتخلص من خوفي وأقتله ... خفت ، فكيف لخائف أن يقتل خوفاً؟ وكيف لعاشق أن يسرق وهماً؟ وكيف لمن هو مثلي أن يموت حباً؟ ولماذا عندي الطريق له نهايات متعددة؟ أجيبك حبيبتي ... لإن البعد عنك جريمة لا تستحق عقاباً واحداً ، فأنتي في دنياي شموس متجددة ، وتركك لا يعني إلا إنتحار لكل نبضات قلبي العاشقة.

السبت، 7 أبريل 2012

حضن في الوجــود

يطول العمر أو يقصر .. تسعدنا الأيام أو تجرحنا .. تصرعنا الأقدار أو تمهلنا .. كل هذا لا يهم طالما أنه لدينا من نختفي في قلبه هرباً من أفكارنا ، وربما نتأرجح في سعادة الطفل بين عينيه ، طالما هناك من يقبل أن يتحول معه الحاضر إلى إنشودة حب لا تنتهي .. وتتحول اللحظات إلى عقد لآلئ بللورية.

ظهرت له معان كثيرة كانت مجرد كلمات .. عندما رآها أدرك معنى الأمان والإحتواء والسعادة ، فهم معنى الأحرف التي طالما نطق بها وهو غير مدرك من معناها سوى رسم أسطوري .. وأدرك من عينيها أن السعادة قد تتواجد بحرفية شديدة عندما يظهر في حياتنا إنسان يفوق أحلامنا في وجوده ويعبر في صفاته كل حواجز آمالنا .. تنهد في صمت لبرهة ، ثم نظر إلى السماء .. وخلف الأفق كان يريد أن يقرأ شئ ما مكتوب بين السحاب .. أطال الوقت في البحث عن قدره على ضفاف النجوم.

إنه أنتي ... فقط أنتي .. حضن عمري ومستقبلي .. حضن أحلامي وأفكاري .. حضن قلبي وكياني ... حضن الوجود كله.. لم تتحرك ، لم تجب .. لم تبق عينيها بحراً لنظراته الخارقة .. ثوان مرت كأنها الدهر وهي تقرأ في عينيه المعاني التي سمعتها من شفتيه .. ثم أغمضت عينيها في محاولة ناجحة في القبض على آخر نظراته والتي رأت فيها كل معاني الحب والإحتواء ، وغاصت النظرة الأخيرة في قلبها وذابت مع النبضات ... فكانت عطراً أضاء لها الأحلام والآمال ورأت مستقبل من أضواء الحب والعطاء ... إنه الأمان الذي كانت تنشده ، والحب الذي كانت تأمله .. طال لقاء جفنيها وقد أدركت أنه ينتظر الرد على كلماته التي مازالت تتوغل في أركان قلبها ، فرمته بإبتسامة ساحرة إخترقت ببراءتها كل نقاط عمره وأيام ذكرياته ، إبتسامة رمت بها كانت كفيلة ليس فقط بأن تجيبه على كلماته ، ولكن لتصنع منه إنسان جديد ، فعندما رآها تحبس نظراته في عينيها وتترجم ما يدور بداخلها عبر إبتسامة أشرقت لها سماء الليل ، شعر بأن كل كيانه يتأرجح ويتمايل كغصن ورد بهره ضوء القمر فراح يرسل عطره على الكون إبتهاجاً ومشاركة منه في السعادة ... ولم تشعر إلا بأنامله تطبق على وجهها وكأنه هو الآخر يريد أن يحتبس ملائكية الإبتسامة بين برواز بشري مصنوع بيده ، فيطبع في ذهنه أرق صورة عن تؤام قلبه وأنشودة حياته ... ياله من عاشق لقلبها .. ويالها من عاشقه لروحه .. تؤام الروح مشروع يبحث عنه الإنسان .. وإن لم يجده فالأجدر به أن يخترعه .. فبدون تؤام الروح لن يصير الحب حبا ولن تصير السعادة إلا وهما .. وعندها ستصبح الحياة صورة عبثية في مسرح هزلي.

صراخ الصمـت

أسطورة الحب الخالد ، هي الشعور بأنه لا يكفيك ألف ألف من الأشواق ، أسطورة حب يبقى بقاء السماء .. يملك عليك حياتك مادامت الجبال قائمة والبحار ممتدة ، إنه الحب الذي يستحيل وداعه ويصعب بقاؤه ، إنه الحب الذي يُنطِق فيك الصمت .. ويُضحِك منك الدموع ، لم تعد كلمة الشوق تعنيني طالما لا تفي بالغرض منها ، لم يعد الحنين يكفيني طالما لا يزول بقربي من الحبيب ، أثقلتني هموم إرضائها ونالت مني ليالي أفكر بها ، أحلم بإبتسامة من شواطئ عينيها .. أو بفكرة تسبق زماني .. تمحو ماضي وتملك حاضر وترسم مستقبل.

من يقرأ الكلمات هل يفهمها ؟ وإن فهمهما فهل يشعرها ؟ فليس المهم هو صندوق الحروف وأدراج الكلمات ، ولكن المهم هو ما بداخلهم من إحساس .. فهو الذي ينقش على أحجار الزمن القيمة الحقيقية للكلمات ، وكما إنه لا يهم أن ترى إبتسامة ولكن المهم أن تكون حقيقية وصادقة ، فكذلك الكلمات لا يهم أن تسمعها ولكن المهم أن يقرأ قلبك ما بها .. هذا هو الحب ، فتعلم كيف تقرأ مقاصد من تحب ، وإلا كانت مشاعرك مجرد تراب في سراب عاشق.

الخميس، 5 أبريل 2012

ذكرى إنسان قديم

¨ لا يهمني لو تساقطت كل أيامي من شجرة العمر العتيق .. لا يهمني لو ثقلت أغصان حزني مع خريف العمر المشيب ، لكن يهمني أن أشعر بلآلئ عينيكي تضيئ الليل كقمر بديل .. يهمني أن تشرق ابتسامتك يوم يبدأ عمري بالرحيل .. إنها أمنية تلازمني يوم الوحدة ... يوم المغيب.

¨ لو كان الحب ورود ونسيم وموسيقى هادئة ، أو كان صراخ وألم وحجارة قلب متناثرة ... فهو عندي لحظة تمر بقلبي على رقائق عينيكي الساحرة.

¨ أذكر الهمسة .. اللفتة .. الخطوة ، لكن فاتني أن أترك اسمي عندها أو أترك لها العنوان .. مثلي كالعطشان رأى نهراً .. جري نحوه ونسي يداه المكبلتان ، فإذا حاول أن يشرب عجز ، وإذا حاول أن يسبح ... غرق.

¨ نغمات من غير أذن لتسمعها .. إزعاج في الهواء ، وكلمات من غير عقل يفهمها .. نسمات من هباء ، وحب من غير قلب يحتويه .. مشاعر خاوية أنا منها براء.

¨ التراب يغطي الأسطح بفعل طول الزمان .. ولكنه إذا سكن القلوب أو امتطي صهوة العقول فهذا ليس إلا بفعل إنسان.

¨ أنصحك أن تغمض عينيك لترى بهما ماتمنيته من عالمك.

¨ يقولون أن الحزن هزيمة والبكاء ضعف .. ويقولون أن الضحك تفاهة والحب عيب ، لكني أرى الحياة بدون هؤلاء عورة يجب تحريمها.

¨ نريد أطفال عقلاء .. ونسمح بالأعذار لكبار مجانين ، إنه المنطق التاريخي الشهير لكل ... الظالمين.

¨ وقف لقسوة الجبال فجعلها سدود وبيوت .. قاوم الرياح والرعود فحولها لطاقة نور ، هذب الطوفان والسيول فأخرج خير ممدود ... ثم عجز عن ترويض قلبه أمام كلمة نفوذ ، إنه المخلوق الوحيد الذي بنى بناية شاهقة ... ثم إنتحر من فوقها!

¨ قد يقتحمك ظلام العالم كله ، وقد تهاجمك قوى الشر مجتمعة لكن هزيمتك لن تكون إلا بيديك ، يوم أن تفقد من قلبك كلمة حب ناعمة أو لحظة إيمان صادقة ، عندها ستكون الهزيمة ... ساحقة.

¨ إذن لم يكن حباً ، كان إحتواءاً ... كان رمزاً لعطاء ... كان حلماً في خيالي ونبضة من كياني ، كان أمنية تمنيتها وحلمت بها فصارت عقداً في فؤادي ، كان شعور أحتاجه وأرنو إليه فصار الحلم واقعاً في وجودك ، لم تكوني أنتي ولم يكن حبك ، بل كان هذا الشعاع الذي انطلق من قلبي فأضاء العمر من قبل ومن بعد ، شعاع صار طريقاً وأصبح قانوناً أسير عليه إلى يوم الرحيل.

¨ عندما تشتاق للأحباب و هم ملء عينيك ، عندما تشتاق للحب وهو بين أرجاء دنياك ، فأنت مريض بالوقوف الزمني ، لقد توقف عمرك عند لحظة مضى عليها سنون ، وهي أبداً أبداً لن تعود ، ولن تجد مثيلتها في حاضر أو مستقبل حتى لو كانوا أبطالها هم نفس أبطال الحاضر والمستقبل.

¨ لكي نصلي يجب أن نتطهر ، ولكي نتطهر يجب أن نؤمن ، ولكي نؤمن يجب أن نسلم ، ولكي نسلم وجهنا وأمرنا يجب أن نثق ، ولكي نثق يجب أن نرى دليل ، ولكي نرى الدليل يجب أن نستخدم العقل ، ولكي نستخدم العقل يجب أن نعلم أنه في مكانه الطبيعي ... رأس الإنسان ، فهو الكائن الوحيد الذي يجب عليه أن يتوضأ قبل أن يصلي.

¨ ليس للإنسان مصير فاشل ، فكل إخفاقاتنا في الحياة ما هي إلا مشاريع نجاح مستترة ، وليس علينا إلا كشف سترها وجعلها نجاحات حقيقية كاملة ، فكل فشل هو بداية حقيقية للنجاح ... ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أنتظــرك

أين تريد أن تذهب؟ أين يمكنك أن توجه قلبك الدامي وعقلك الذي أرهقته رياح العالم العاصف؟ أتمنى أن أذهب حيث لا يجدني أحد ، أحلم أن أكون ملكاً أوحداً لعالمي الذي بنيته بثوان العمر والأيام الخوالي ، أعشق الذهاب حيث ينبض القلب دون خوف وترى العين كل جمال يكون قد تخيله عقل يوماً ، أذهب حيث تتأرجح الأماني على أغصان شجر الورد ؛ ورد عمر لاينتهي وزمن لايكون إلا جميل ، مهما قال لنا الحاضرون والغائبون ، مهما تصاعدت أمامنا رائحة العطور أو تلألأت لنا أضواء الشموع ، فلايزال الأمر بين يدي ، لايزال الأمل في عقلي والحلم يملأ قلبي... فلتذهب بهما حيث لا يجدك أحد ، و في اللحظة المناسبة ستجدني ، في اللحظة التي تتمنى فيها اللقاء ستجدني , ها أنا هنا أنتظر حضورك لتجدني ، أقف وحيداً بعد أن تخلصت من العالم وأنفاسه ، تخلصت من البحر وأمواجه ، أنا هنا أقف على أعتاب الفضاء من غير نجومه ، أستمع لغنائه دون ضجيج موسيقى ولا زحام الكلمات ، أنتظرك في شوق وأمنيات ، أقف من غير ملل ولا تعب ، فمهما طال إنتظاري فسأقف حتى النهاية ، لم يعد معي أحد ولن يجرؤ ليأتي أحد ، فقد إحترق الجميع في جحور العالم البعيد ، لم ينجو إلا القليل ، ولقد تركتهم ساعياً لمكاني الذي أهواه ، هنا .. موضع قدمي وموضع عقلي وقلبي .. هنا أنتظر اللقاء بعد أن غابت عني لوعة الفراق ، فبعد أن إنتظرت العمر بطوله وعرضه وبعد أن عبرت السنوات حدها المسموح جئت لأنتظرك .. فهلا وجدتني؟

الموت حيــاً

ما معنى أن تحصل على المعلومة ثم تصبح حبيسة عقلك وكيانك ؟ ما معنى أن تتسلح بأسلحة بناءة ولا يمكنك إستخدامها ؟ وما معنى أن يحرص الجاهل على جهله رغم علمه بهذا القصور ؟ وما معنى أن يتحمل مجتمع الإرتفاع في ضريبة جمود الفكر وما يسببه من خسائر مروعة في التنمية البشرية ؟ لا أعلم ما هو المردود الحقيقي بأن يحرص مجتمع على أن يظل يعاني يومياً الخلل في المشاعر والتضارب في الأفكار ، فمثل هذا المجتمع لن يستطيع أن يصمد أمام هجوم حقيقي تشنه قوات دعاة الهزيمة والمنادون بالعودة للوراء ، التنمية الحقيقية لن تأتي طالما القادر على البناء عاجز عن الحركة ، التنمية الحقيقية والفعالة لن تتحقق إلا إذا إستطاع الإنسان نفسه أن يعطي ، ولن يفعل قبل أن يملك مقومات العطاء البنـّاء ويملأ بها أركان عقله ويدعم بها مشاعره.

إستراتيجية التنمية:

لا يمكن أن ننادي بتنمية إقتصادية وإجتماعية دون البدء بالتنمية البشرية ، فلا يمكن أن ننتقل لرقم عشرة قبل المرور على رقم واحد ، ولا يمكن أن نصل إلى رقم واحد إلا إذا بدأنا من عند الصفر ، الإنسان هو الأصل وهو سيد الكون وليس كل الكون ، والعودة إلى نقطة الصفر هي البداية الأصلية والأساسية للتنمية ، وأعني بالصفر هنا وجدان الناس وفكر الإنسان وشعوره ، لابد من إعداد عقول الناس إعداد فعال تتطلبه قدراتهم في قيادة مشاعرهم ، لابد من تعليم الإنسان ما هي أولوياته الحقيقية وما هي أهدافه التي يجب أن يسعى إليها ، لابد أن يتحول الإنسان إلى ممارسة دوره الحقيقي في سيادة الكون الذي هو مُسخر له في الأصل ، ولكن أن يتحول الكون إلى السيد جاعلاً الإنسان كائن إستهلاكي بلا طموح ولا قدرة على التطوير أو التعديل في حياته ؛ فهذا هو سيناريو أن نموت أحياء.

إن مشاريع التنمية لابد لها أن تهتم أولاً وتتوجه جميعها لتنمية عقول ونفسية ومشاعر الإنسان ، فمثلاً لابد من تعليم ما يفيد وليس كل ما هو قائم وموجود ، لابد أن يكون التعليم عملية ذات هدف تخصصي وليست مباراة في تكدس المعلومات لمجرد أنها معلومات ، فلا يعقل أن نعلن يومياً في كل المحافل أن التخصص يضمن جودة الأداء في الوقت الذي نُعلم فيه أولادنا ونغرز فيهم فكرة التفوق في كل شئ ، أو لعلنا نطالبهم بإمتياز الأداء في كل المجالات ، هذا فصام في شخصية التعليم والتعلم ، وبالمثل ننادي الشباب والرجال بالإنتماء وحب الوطن في الوقت الذي لا يُـعلن فيه إلا مساوئ هذا الوطن وكأننا نقول لهم لا تصدقونا فيما نطلب ، كيف نبث الحب في مكان ونحن نتشدق بمساوئه فقط ؟ أعلم إن الإصلاح لا يمكن إلا بمواجهة العيوب والأخطاء ، ولكن كلمة "عيوب" تعني إنها أمور إستثنائية من قاعدة عامة خالية من العيوب ، فلا يمكن أن يكون الأمر كله عيوب وإلا أصبح حقيقة وكيان وساعتها لا يمكن لأحد أن يشعر به عيباً أو خطأً ، فالبقعة السوداء عيب في الثوب الأبيض ولكن إذا كان الثوب لونه كله أسود فلن تستطع أن تقنع أحد بأن هذا عيب في الثوب ؛ لإنه في هذه الحالة سيرد عليك بأن اللون الأسود هو مجرد لون ولا يجب تغييره .. إننا بتسليط الضوء على السواد فقط نشرع وجوده ونؤكده .. فكيف لنا أن نطالب بإعتباره عيباً لابد من تغييره فيما بعد؟ وأتساءل أين إلقاء الضوء على بقية الثوب الأبيض؟ والمنطق يقول أن وجود ثوب أسود ليس دعوة لصبغه بالأبيض لمجرد أن لونه أسود ، في حين أن وجود بقع سوداء هي دعوة لضرورة تنظيف ثوبنا الأبيض.

إن الإصلاح يحتاج لإلقاء بعض الضوء الذي يشير للعيوب ، ولكن ليس معنى ذلك أن تنشأ مباراة في إلقاء الضوء على نواقص المجتمع ، لا يمكن أن يكون التنافس في إبراز أخطاء مجتمع هو الطريق الأمثل لإصلاح هذا المجتمع ..

علوم يجب تعلمها:

فن إلقاء الضوء .. فن النقد والحوار .. أدب قبول النقد والرأي الآخر ؛ كلها علوم يجب أن يتعلمها الناس ، علوم يجب أن تكون في إمكانية كل مواطن قبل أن يدَّعي أنه قادر على الحوار أو تعليم الآخرين ، فعندما يقوم المعلم بالتدريس فهو في حالة قتال مع جهل تلاميذه ، وعندما يصرح العالم الجليل في الدين والفكر بمعلومة فهو في حالة قتال مع ثقافة شعب مغمض العينين عن أمور كثير يجب تَعلمها ، ولكل قتال سلاحه الخاص وسلاح هؤلاء هو فن الحوار والقدرة على إختراق دفاعات الجهل والجهلاء ، ولابد لكل جندي من أن يتقن إستخدام سلاحه ويتدرب عليه قبل النزول لساحه المعركة ، لا يمكن أن ندفع بمئات من العلماء والمفكرين لمذبحة الجهل وهم في حرب ضروس يحملوا فيها إلا أسلحة لا يعلمون كيف يستخدمونها ، إنظروا إلى أي حوار صحفي أو إعلامي ، إنظروا إلى فنون الحوار وكيف يستخدم بعض العلماء والمفكرين أسلحتهم لدعوة الناس وكيف يوجهون كلماتهم لحرب الجهل في عقول البسطاء والعامة ؟ إنهم يتسببون في إنتصار هذا الجهل وضياع جهودهم بطريقة أو بأخرى ، لإنهم بأسلوب الحوار فيما بينهم يخطئون الهدف كثيراً - إلا من رحم ربي ، ويجب علينا ألا نسمح بضياع علم ومجهود هؤلاء العلماء ، يجب أن تتوجهه العلوم الإدارية والسلطات الشعبية للنداء بتعليم المتعلمين قبل أن يقاتلوا الجهل في عقول الأميين ، والأمية التي أعني ليست في القراءة والكتابة ولكنها أمية الفكر وأمية الشعور بالإنتماء .. أمية الدفاع عن حق العيش وإعمار الأرض ، السلاح مسئولية كبرى ووضع أسلحه تعليمية وفكرية في يد أناس بعدت عنهم مشاعرهم أو أناس لديهم ضعف واضح في إستراتيجية الفكر – حتى ولو كانوا من العلماء – هو بكل المقاييس وضع كارثي وقد يتسبب في تدمير أرضية الإستقرار والإنتماء ، في حين أن المطلوب جيش من علماء يعلمون كيف يرتبون أولوياتهم وكيف ينظمون أفكارهم وأهدافهم ؛ و هم يؤمنون بضمير كلمة الحق ولوكان على ذي قربى ، وهذا هو الهدف الذي يجب أن نسعى له جميعاً لإن إعداد الجندي أهم كثيراً من تسليحه ، ونحن لدينا من العلماء الذين لديهم أرضية علمية تنوء بحملها الجبال ، ونريدهم مقاتلين يعلمون فوق علمهم كيف يقاتلون الجهل بهذا العلم ، فلا يكفي أن تملك السلاح لتنتصر ولكن يجب أن تعرف كيف ومتى تستخدمه.

لن يقدم العلم الحقيقي شخص كاره للعلم أو لا يستشعر قيمته حتى ولو كان أستاذاً في علمه ، ولن يُعلم السماحة مَنْ لا يعلم أدب الحوار فهو يلجأ دائماً للإساءة للغير كخير وسيلة للدفاع ، ولن يدعم القيم الروحية والأدبية مَنْ يحترف الرقص مع شهوات الناس وأهوائهم ... نريد دعماً للبشر ... دعماً للأسرة والإنسان فيها ... نريد دعماً حقيقياً وفعالاً لكيان الطفل حتى نستطيع أن نغير من مصير موتنا أحياء خارج القبور.

الهـُـدى

الحب قضية مهانة لا يسمح بتداولها وكأنها وصمة عار يجب التخفي منها والتحلل من معتنقيها ، الحب قضية غريبة بين غرباء العقل والوجدان ، الحب بين البشر وهم لا يتعدى حيز الماديات والمصالح ، كيف لبشرية تمارس قوانين التطفل بكل معانيها أن تنجو أو أن تحقق أي أمان ، كيف لإنسان لا يهتز ولا يرتعد ، لا يخاف ولا يرحم ، إنسان لا يأمن ولا يأمل في تعايش – كيف لمثل هذا الإنسان أن يعمر الأرض أو حتى أن يحتفظ بمكانته عليها ، أرى أن الأرض ستلفظنا قريبا لهوة الفضاء الفسيح إذا لم نرتد عما نحن فيه ، إذا لم نتوقف عن لغة الصياح وفلسفة الأنا التي ولدت لنا أغرب وأفظع مرض أصاب البشرية منذ بدء الخليقة ، فلم يذكر لنا التاريخ أن العنصرية بين البشر تقلصت يوماً حتى صارت عنصرية أفراد .. التاريخ يقول أن هناك عنصرية العائلات والقبائل والأقوام والبلاد ، هناك عنصرية الدين واللون والجنس ، ولكننا الآن أمام أغرب وأشرس عنصرية عرفناها ، وهي عنصرية الفرد ، فكل منا يرى أنه الأجدر بأن يقول والآخرين يسمعون بل ويطيعون ، كل منا يرى أنه الحق الوحيد والكل باطل ، هذا بالرغم من أن للحق وجوه كثيرة كما أن الحلال له أوجه متعددة ، وكما أن المسموح أكثر وأعظم بكثير من الممنوع ، هكذا كانت وستظل سنة الكون وطبيعة الخلق.

إذن لا مكان للعنصرية في حياتنا ، فما بالك بالعنصرية الفردية التي تستطيع أن تقتلنا فرادى كما بدأنا فرادى ، ليس من حق البشر أن ينهوا حياتهم بأيديهم ، فما بالهم ينهونها بعقولهم وأفكارهم ، لأول مرة أرى أن التفاؤل جريمة وأن الأمل تكاسل وذنب ، بالرغم من إحتياجنا الشديد لعمل يلمس أعماقنا ويجدد أفكارنا ويمحو من قلوبنا أحزاننا... ففي ظل فوضى المآسي وغرام الأحزان ، في وجود رياح الظلم وأعاصير القتل والتشريد ، في قلب وطن لا يسمح لك إلا بالموت غرقاً في دموعك ، وفي ظل صرخات ودعوات - أبسطها قاتل إن إستجبنا له وأصعبها يتعدى حاجز المستحيل إذا تبعناه ؛ في ظل كل هذا لن يردع خوفنا ولن يـُؤَّمِن قلبنا ولن يضمن أماننا إلا مخلوق إلهي بدائي كنا قد نسيناه ، مخلوق هو في حد ذاته مشيئه وإرادة ربانية تجاهلنا إتباعها وتقديسها .. إنه الحب يا سادة ، الحب بكل معانيه وأعماقه ، حب الأرض والعرض والشرف والكرامة ، حب الأهل والجار والصديق ، حب الإبن والزوج ، حب الأخت والأم والشريكة ، حب العمل والصدق والصلاة ، حب التواجد والحضور والإحترام ، حب الإنسان بحلوه ومره ، حب البقاء حتى يأتي الله بأمر كان مفعولا ، فمن أول القصة وبعضنا لبعض عدو ، وهذا قضاء إلهي ، ولن ينجو إلا من اتبع هداه سبحانه ، وهداه لا يخرج عن حبه ، وحبه رمز لحب الأرض وما عليها ، والأرض وما عليها هي الحياة ، وبالتالي فإن هدى الله في حب الحياة والبحث في تطويرها وإستمرارها ، بل والحفاظ عليها مهما ساءت الظروف وتصاعدت ألسنة نيران البلاء ، الحياة هي الهدف وهي الإمتحان ، والحب هو القلم .. أما الكتابة فعلينا ، وليس لنا إلا أن ندون بقلم الحب كلماتنا على أسطر الحياة ، ولنعلم أن أهمية حياتنا في إيصال مبادئنا ، وأن وجودنا أساسي لدعم وجود أخلاقنا ، وكلاهما ينبع من تعاليم خالقنا ... أو هكذا يجب أن يكون.

معنى جديــد

هل الحب هو أقصى ما يمكن للمرء أن يقدمه في هذه الحياة؟ هل الحب بمعناه العام والتاريخي هو ما يمكن لنا أن نتقبله بيننا دون نقد أو ضغينة؟ وإن كان هكذا .. فأي حب نعني؟ هل هو حب بين الرجل والمرأة أم إنه حب الفرد للوطن ، أم إنه حب الطائر للبقاء محلقاً؟ أم لعله حب الزهرة بأن تبقى ذات رائحة مميزة ... أعتقد أن أشكال الحب الدنيوي قد تصل لعدد لا نهائي ، ولكن الأصدق منها والأرقى هو حب الإنسان لأحلامه وطموحات قلبه ، والتي قد تتجسد يوماً في إنسان آخر أو في مكان ذو شخصية ، أو حتى إنها قد تتجسد في وطن بعيد أو قدر قاسي غريب ، المهم في هذا كله أن يرى الإنسان أشواق قلبه تتوحد لكي تصنع له هدفاً يحيا من أجله ويسعى دوماً لتحقيقه.