الخميس، 5 أبريل 2012

الموت حيــاً

ما معنى أن تحصل على المعلومة ثم تصبح حبيسة عقلك وكيانك ؟ ما معنى أن تتسلح بأسلحة بناءة ولا يمكنك إستخدامها ؟ وما معنى أن يحرص الجاهل على جهله رغم علمه بهذا القصور ؟ وما معنى أن يتحمل مجتمع الإرتفاع في ضريبة جمود الفكر وما يسببه من خسائر مروعة في التنمية البشرية ؟ لا أعلم ما هو المردود الحقيقي بأن يحرص مجتمع على أن يظل يعاني يومياً الخلل في المشاعر والتضارب في الأفكار ، فمثل هذا المجتمع لن يستطيع أن يصمد أمام هجوم حقيقي تشنه قوات دعاة الهزيمة والمنادون بالعودة للوراء ، التنمية الحقيقية لن تأتي طالما القادر على البناء عاجز عن الحركة ، التنمية الحقيقية والفعالة لن تتحقق إلا إذا إستطاع الإنسان نفسه أن يعطي ، ولن يفعل قبل أن يملك مقومات العطاء البنـّاء ويملأ بها أركان عقله ويدعم بها مشاعره.

إستراتيجية التنمية:

لا يمكن أن ننادي بتنمية إقتصادية وإجتماعية دون البدء بالتنمية البشرية ، فلا يمكن أن ننتقل لرقم عشرة قبل المرور على رقم واحد ، ولا يمكن أن نصل إلى رقم واحد إلا إذا بدأنا من عند الصفر ، الإنسان هو الأصل وهو سيد الكون وليس كل الكون ، والعودة إلى نقطة الصفر هي البداية الأصلية والأساسية للتنمية ، وأعني بالصفر هنا وجدان الناس وفكر الإنسان وشعوره ، لابد من إعداد عقول الناس إعداد فعال تتطلبه قدراتهم في قيادة مشاعرهم ، لابد من تعليم الإنسان ما هي أولوياته الحقيقية وما هي أهدافه التي يجب أن يسعى إليها ، لابد أن يتحول الإنسان إلى ممارسة دوره الحقيقي في سيادة الكون الذي هو مُسخر له في الأصل ، ولكن أن يتحول الكون إلى السيد جاعلاً الإنسان كائن إستهلاكي بلا طموح ولا قدرة على التطوير أو التعديل في حياته ؛ فهذا هو سيناريو أن نموت أحياء.

إن مشاريع التنمية لابد لها أن تهتم أولاً وتتوجه جميعها لتنمية عقول ونفسية ومشاعر الإنسان ، فمثلاً لابد من تعليم ما يفيد وليس كل ما هو قائم وموجود ، لابد أن يكون التعليم عملية ذات هدف تخصصي وليست مباراة في تكدس المعلومات لمجرد أنها معلومات ، فلا يعقل أن نعلن يومياً في كل المحافل أن التخصص يضمن جودة الأداء في الوقت الذي نُعلم فيه أولادنا ونغرز فيهم فكرة التفوق في كل شئ ، أو لعلنا نطالبهم بإمتياز الأداء في كل المجالات ، هذا فصام في شخصية التعليم والتعلم ، وبالمثل ننادي الشباب والرجال بالإنتماء وحب الوطن في الوقت الذي لا يُـعلن فيه إلا مساوئ هذا الوطن وكأننا نقول لهم لا تصدقونا فيما نطلب ، كيف نبث الحب في مكان ونحن نتشدق بمساوئه فقط ؟ أعلم إن الإصلاح لا يمكن إلا بمواجهة العيوب والأخطاء ، ولكن كلمة "عيوب" تعني إنها أمور إستثنائية من قاعدة عامة خالية من العيوب ، فلا يمكن أن يكون الأمر كله عيوب وإلا أصبح حقيقة وكيان وساعتها لا يمكن لأحد أن يشعر به عيباً أو خطأً ، فالبقعة السوداء عيب في الثوب الأبيض ولكن إذا كان الثوب لونه كله أسود فلن تستطع أن تقنع أحد بأن هذا عيب في الثوب ؛ لإنه في هذه الحالة سيرد عليك بأن اللون الأسود هو مجرد لون ولا يجب تغييره .. إننا بتسليط الضوء على السواد فقط نشرع وجوده ونؤكده .. فكيف لنا أن نطالب بإعتباره عيباً لابد من تغييره فيما بعد؟ وأتساءل أين إلقاء الضوء على بقية الثوب الأبيض؟ والمنطق يقول أن وجود ثوب أسود ليس دعوة لصبغه بالأبيض لمجرد أن لونه أسود ، في حين أن وجود بقع سوداء هي دعوة لضرورة تنظيف ثوبنا الأبيض.

إن الإصلاح يحتاج لإلقاء بعض الضوء الذي يشير للعيوب ، ولكن ليس معنى ذلك أن تنشأ مباراة في إلقاء الضوء على نواقص المجتمع ، لا يمكن أن يكون التنافس في إبراز أخطاء مجتمع هو الطريق الأمثل لإصلاح هذا المجتمع ..

علوم يجب تعلمها:

فن إلقاء الضوء .. فن النقد والحوار .. أدب قبول النقد والرأي الآخر ؛ كلها علوم يجب أن يتعلمها الناس ، علوم يجب أن تكون في إمكانية كل مواطن قبل أن يدَّعي أنه قادر على الحوار أو تعليم الآخرين ، فعندما يقوم المعلم بالتدريس فهو في حالة قتال مع جهل تلاميذه ، وعندما يصرح العالم الجليل في الدين والفكر بمعلومة فهو في حالة قتال مع ثقافة شعب مغمض العينين عن أمور كثير يجب تَعلمها ، ولكل قتال سلاحه الخاص وسلاح هؤلاء هو فن الحوار والقدرة على إختراق دفاعات الجهل والجهلاء ، ولابد لكل جندي من أن يتقن إستخدام سلاحه ويتدرب عليه قبل النزول لساحه المعركة ، لا يمكن أن ندفع بمئات من العلماء والمفكرين لمذبحة الجهل وهم في حرب ضروس يحملوا فيها إلا أسلحة لا يعلمون كيف يستخدمونها ، إنظروا إلى أي حوار صحفي أو إعلامي ، إنظروا إلى فنون الحوار وكيف يستخدم بعض العلماء والمفكرين أسلحتهم لدعوة الناس وكيف يوجهون كلماتهم لحرب الجهل في عقول البسطاء والعامة ؟ إنهم يتسببون في إنتصار هذا الجهل وضياع جهودهم بطريقة أو بأخرى ، لإنهم بأسلوب الحوار فيما بينهم يخطئون الهدف كثيراً - إلا من رحم ربي ، ويجب علينا ألا نسمح بضياع علم ومجهود هؤلاء العلماء ، يجب أن تتوجهه العلوم الإدارية والسلطات الشعبية للنداء بتعليم المتعلمين قبل أن يقاتلوا الجهل في عقول الأميين ، والأمية التي أعني ليست في القراءة والكتابة ولكنها أمية الفكر وأمية الشعور بالإنتماء .. أمية الدفاع عن حق العيش وإعمار الأرض ، السلاح مسئولية كبرى ووضع أسلحه تعليمية وفكرية في يد أناس بعدت عنهم مشاعرهم أو أناس لديهم ضعف واضح في إستراتيجية الفكر – حتى ولو كانوا من العلماء – هو بكل المقاييس وضع كارثي وقد يتسبب في تدمير أرضية الإستقرار والإنتماء ، في حين أن المطلوب جيش من علماء يعلمون كيف يرتبون أولوياتهم وكيف ينظمون أفكارهم وأهدافهم ؛ و هم يؤمنون بضمير كلمة الحق ولوكان على ذي قربى ، وهذا هو الهدف الذي يجب أن نسعى له جميعاً لإن إعداد الجندي أهم كثيراً من تسليحه ، ونحن لدينا من العلماء الذين لديهم أرضية علمية تنوء بحملها الجبال ، ونريدهم مقاتلين يعلمون فوق علمهم كيف يقاتلون الجهل بهذا العلم ، فلا يكفي أن تملك السلاح لتنتصر ولكن يجب أن تعرف كيف ومتى تستخدمه.

لن يقدم العلم الحقيقي شخص كاره للعلم أو لا يستشعر قيمته حتى ولو كان أستاذاً في علمه ، ولن يُعلم السماحة مَنْ لا يعلم أدب الحوار فهو يلجأ دائماً للإساءة للغير كخير وسيلة للدفاع ، ولن يدعم القيم الروحية والأدبية مَنْ يحترف الرقص مع شهوات الناس وأهوائهم ... نريد دعماً للبشر ... دعماً للأسرة والإنسان فيها ... نريد دعماً حقيقياً وفعالاً لكيان الطفل حتى نستطيع أن نغير من مصير موتنا أحياء خارج القبور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق