الاثنين، 23 أبريل 2012

تذكر متأخراً

كان يسير في طريق طويل ، إعتاد أن يسير فيه منذ أن كان طفلاً ، هو يعرف جيداً أنه طريق طويل وربما هذا هو السبب في أن يمسك في يده بعصاته القديمة ، لكنه كان محتاراً في سبب خروجه بها اليوم ، ربما ليتكأ عليها عندما يتعب من السير الطويل ، فقد كبر سنه وربما خاف من التعب والمشوار الذي لا ينتهي ، هذا بالرغم من إنه يذكر جيداً أن أكثر ما كان يسعده في هذا الطريق أنه لا ينتهي ، فقد كان في أيام صباه يسير فيه متأملاً حاله وحال الناس من حوله ، كان يحلم من آن لآخر بأن ينتهي هذا الطريق على حلم من أحلامه يتحقق ... كانت أحلام الصبا كثيرة ومترامية الأطراف ، كانت من غير أولويات - تماماً كأحلام طفل في محل من اللعب ، أو كأحلام مسافر صحراء يبحث عن ظلال بين الأشجار .. لم تدم أيام الصبا طويلاً فقد ترك هذا الطريق منذ زمن بعيد ، لا يذكر متى ولا كيف تركه ، ولكنه متأكد أنه كان بعيد عنه في الفترة السابقة ... ولكن مرحى فها هو الآن يسير فيه ، ربما لا يرى كل ما إعتاد رؤيته في الماضي ، ربما إرتفعت الأصوات من حوله قليلاً ، فمن المتوقع أن يزداد الشارع إزدحاماً ، كما إزدحمت الأفكار في رأسه ، وإلتحمت مع باقي الأحلام فلم يعد يدرك ما الذي تحقق منها وما الذي ينتظر دوره لكي .. يأتي أو لا يأتي.

فجأة رآها ... قمر ترك عليائه ويسير في الطريق أمامه .. إنها تتجه نحوه بنفس الخطوات التي حلم بها ، ها هي تضيئ كل الشارع كما كان يتمنى أن يرى في صباه ، إنها هي بكل ما أوتيت من جمال ورونق بسمات ، نعم إنها هي فهو لا يمكن أن يخطئها ، فربما أخطأ في الكثير من الأمور من قبل ، وربما سيخطئ في المستقبل أيضاً ، ولكنه متأكد الآن إنه لا يخطئ في رؤيتها ، فهي لا تتكرر إلا في أحلامه ولا تأتيه تتهادى إلا إذا إحتاجها ، ظن أنه يحلم فجعل يفرك في عينيه لعله يستيقظ من نومه ، ولكنه كان متيقظاً .. إذن إنها هي فعلا ، ولماذ يشك في الأمر إذا ما كانت إبتساماتها تسبقها وهي تسير نحوه ، وكيف له أن يجروء فيكذب البسمات ؟ فسبق وأن جرؤ وكـذب يقظته وشعور الألم الذي يملأ قدميه من آثار السير الطويل ؟ لا لن يكذبها بعد الآن فهي قادمة ويالسعادته بهذا المجيئ .. تنفس الصعداء كلما رآها تقترب أكثر وأكثر فتتلألأ حبات المطر من جبينها وبسمات النور من شفتيها .. إنها الحب بكل ما أوتي من قوة .. لقد كان يناديها بنور الحب ولم يناديها باسمها ، شعر بجسده أخف من اللازم ، بل إنه فقد الشعور بالأرض ، تأكد أنه إحساس وهمي من فرط سعادته برؤيتها ، ها هو - كما يقال - يطير فرحاً وطرباً لرؤيتها ... ولكن ياللهول ، ما اسمها ؟ لقد نسي ، كيف له أن ينسى اسم من أحب وانتظر طوال عمره؟ إنها كارثة ، لقد إقتربت منه كثيرا ، وآن الأوان ليسلم عليها ، فبماذا سيناديها ؟ شعر أن العالم يدور برأسه ، وأن الأرض ليست هنا ، فقد نسي اسم حبيبته التي قضى العمر ينتظرها ، نسي الاسم الوحيد الذي ظل يكرره ليل نهار في يقظته وفي المنام ، أتكون المفاجأة أذهلته فأنسيته الاسم ، أم إنها شيخوخته التي أصابت كل شئ فيه حتى أنسته قلبه وعقله وكيان حبه؟ لم يجد الإجابة ، ظل يصارع ذاكرته ويحفر بها لعله يتذكر .. هاهي تمد يدها لتسلم عليه ... يا ربي ماذا سأقول بعد السلام؟ ولم يجد المسكين بديلاً من أن يمد يده ليسلم عليها ... وفجأة سقط على الأرض ، لم يفقد وعيه ولكنه فقد إتزانه ، إزداد الموقف إحراجاً ، ولكنه تمالك نفسه ليبحث عن يديها الممدودة حتى تشده وتساعده على النهوض .. لم يجد اليد ، بل لم يجد الطريق ولا السماء ، لم ير أي مخلوق .. إختفت الأشجار والأزهار ، ما هذا؟ ما الذي حدث؟ بحث بيده عن عصاه التي تركها من يده لحظة أن أراد أن يسلم علي حبيبته الغائبة ... وجدها واستند عليها ليقف ، ثم حاول أن يتنفس عبير الحبيب الذي لا زال في ذاكرته ، فإذا بنسمات باردة تحيط به وصوت حبات المطر على الأرض ، ولكنه لا يرى شيئا ... نعم ، لقد تذكر الآن ... إنه مجرد رجل يسير في الطريق معتمداً على عصاه ، لإنه ... أعمى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق