السبت، 21 أبريل 2012

ليس مطلوب منك .. إلا الرحيل

حاولت أن أقنعه بحياته ، حاولت أن ألقي عليه القليل من الأمل وحب الوجود ، ولكني فشلت تماماً ، ومات صديقي القديم بين يدي .. قتله يأسه ولم ينتحر ، قتله حبه فهو لم يكره يوماً .. قتلته الدنيا وهي تلده ، فكانت آخر كلمات سمعتها منه أفظع من موته شخصياً ، ولازالت ترن في أذني من زمن بعيد:
"ما الذي يمكن أن يحدث أسوأ من هذا ؟ ما الذي يمكنه أن يصيبني في مقتل أكثر من هذا ؟ تتلاشى حياتي أمامي دون رحمة أو هوادة ، تتضاءل كل فرص الأمل أو الحنين أو حتى الشفقة ، هل تواجدت في هذا العالم ليحيطني كل هذا اليأس من إسعاد قلب ينبض بين أضلعي رغماً عنه؟ هل بحثت عن المستحيل في صورة آدمية؟ وهل أنا مجرد سراب أو وهم من سلسلة غامضة يائسة من أفكار عاطفة وعاصفة؟ لقد أصابني الملل واليأس من إصلاح قلبي أو جعله ينمو في هدوء ، سئمت سياسة الفشل الروحي التي أحمل توكيلها على الأرض ، أرهق عقلي وقلبي نشيد ألم الوجدان الذي أسمعه وأحفظه في كل ركن بروحي ، هل هو مصير قبل البداية أم إنه رحيل قبل النهاية؟
لقد إحترفت آلام النفس وتخصصت عن جدارة في خدمة تعاسة القلب ، تكرر مني إلقاء قلبي بين مخالب نمور الخوف ونيران القلق ، أفتح عيني فلا أرى ، وأرهف السمع فلا أعقل الصوت ، أتلمس طريقي فاشعر بصقيع الهاوية ، هل مكتوب علي السقوط المستمر من هاوية إلى أخرى ، ولكل هاوية أرض قاسية ترطمني ، ثم تريحني لتضمد جراحي وتلقيني من بعدها إلى هاوية أخرى أكثر عمقاً وأبعد قسوة ، هل الهاويات تتلهف على لقائي ، هل الهاويات تحترف إلقائي ؟ هل أنشودة عمري تزعجها وتؤرق نومها فتتخلص مني واحدة تلو الأخرى ؟ أم إن ثقافة قلبي تشعرهن بإشمئزاز عميق يصعب معه تحملي على أرض صلبة واحدة ... حتى لو كانت هذه الأرض قاتلتي؟ أرى وأجزم وأيقن أن الهاوية الأم تبحث لي عن قبر بين أراضيها ، هي لا تعلم أيهما سيكون قبري فتبحث جاهدة لتتخلص مني ، وهل أنا ثقل عليها حتى يصير موتي هدفاً وأنيني مرحاً؟ ثم هل غرامها برحيلي لا ينتهي فتحاول مثابرة جاهدة؟ ليس خوفي من أن تنجح في قتلي ، ولكن خوفي كل خوفي من أن يكون القبر أسوأ من عمري ، وأن يحتضني في آخر أيامي أكثر أعدائي شراسة وأعلاهم حقداً وكرهاً لي ، فإن كانت حياتي نسيج لا يفتل من إلقاء الهاويات ، فما عسى قبري إلا أن يكون أسوأ مصير يعوضها وقتها ويشفي غليلها مني ... أشعر أنني في هذه الحياة مجرد ... ذنب .. لكنه لا يستحق حتى الإستغفار."
مات الصديق ولم يبق لي منه غير ذكرى أكثر إيلاما من حياته ، ولحظة حب أحتفظ بها له ؛ هي أطول بكل المقاييس من عذاباته في أرضه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق