يبدأ الأمر دائماً من أعلى إلى أسفل ، يبدأ من موقع السلطة بفرض رأي ما أو إعطاء أمر ما واجب النفاذ ، في حين أن المأمور أو المستمع يرفض هذا الأمر ... عندها تظهر براعة البشر في التعبير عن الرفض.
وسنجد أن أطهر وأبرأ سلوك لإنسان عند رفضه لتنفيذ الأوامر هو سلوك الطفل ، فهو يبدأ إعتراضه بنظرة رافضة يتلوها إعلانه للرفض بالقول ، وإن أصررنا .. بكي ، وإن إزداد إصرارنا صرخ وغضب ، ولو أجبرناه فسيتوجه بسلوكه إلى الجانب العنيف ، عندئذ قد يدمر ماحوله. وبقياس بسيط على سلوك الفرد يأتي سلوك الجماعة ، فنرى الجموع الرافضة للأمر تبدي إعتراضاتها بالطرق الشرعية ، وإن لم يجدي الإعتراض تتجه لمظاهرات وقتية ، سرعان ما تتحول لورقة ضغط فئوية ، وإن أصر أولي الأمر على العناد فستأتي المظاهرات العامة ، تتلوها إعتصامات وإضرابات ، وقد يزداد الأمر سوءاً فتزداد التدخلات ، حتى تصل إلى أسوأ مراحلها ؛ الصدام الدموي.
وسواء كان الحوار مع طفل أو إنسان ناضج أو جموع بشرية ، فأرضية الحوار ستكون حول أسباب الرفض والبدائل المتاحة للوصول للهدف المشترك بين الآمر والمأمور - ولابد أن أؤكد بأهمية الهدف المشترك لكل من يحيا على أرض واحدة ويلتحف بسماء واحدة - وبالتالي فالبدائل عادة ما تأتي من إقتراحات المعترضين ، فالإنسان الذي يعترض على أمر ما لابد وأن يأتي ببديل له ، وهذا البديل لابد وأن تصحبه آلية لتنفيذه وتصور عام لنتائجه ، وعلى هذا الأساس تتم المناقشات... فالبديل موجود ، ليس بالضرورة أن يكون في صورة شخص ، ولكن بالضرورة أن يكون في صورة فكرة وآلية تنفيذ ، يمكن تطبيقها فوراً.
ولكن لدينا عادة سيناريو آخر .. تغيب فيه الرؤية ويغيب فيه البديل ، فها هو ذو السلطة يفرض رأيه أو يعطي أمر ما يجب تنفيذه ، والمأمور أو المستمع لا يملك أن يرفض أو يعترض ، وربما يرفض ويعترض لكن دون رد فعل إيجابي من ذي السلطة - وهذا ما نسميه قهراً ، وبالقهر يفقد الإنسان القدرة على المناورة والنقاش والتفكير ، فالإحساس بالظلم يجعله في حالة من الصراع تمنعه من إيجاد منظومة البدائل ، فهو كالهارب من الصحراء ماشياً في دهاليزها ، أو كالذي يهرب من سفينة تغرق في مياه المحيط فيقفز منها ناسياً أنه لا يجيد علم السباحة .. فالقهر يدفع الإنسان إلى الإنفجار ، حيث لا وقت للتفكير وترتيب الأوراق ، ولا قوة للصبر وتحمل المزيد ، ويتغير الهدف ليصبح الخلاص بدلاً من التطوير والتعديل ، هنا تتقلص فرصة إيجاد البديل للحالي ، ويتلاشى عنصر الوقت لوضع خطة واقعية للتغيير .. إنه إنفجار غاضب.
ولتقريب المفاهيم سأطرح مثال طبي بحت ، نفترض أن هناك تجمع صديدي في يد مريض ، وهو يتألم ويعاني من ضعف حركة اليد المصابة ، هذا المريض لو ذهب للطبيب في هذه المرحلة فسيجد الفرصة الكافية لتجهيز المسكنات والمضادات الحيوية والأدوية اللازمة لفتح الخراج ، وسيجد الوقت لإيجاد الأدوات المعقمة اللازمة للتدخل الجراحي الآمن ، وبالتالي يخرج المريض بعد الجراحة المنتقاه والمعدة سلفاً بأقل مضاعفات وبدون ألم تقريبا ، والنتيجة إلتئام الجرح بسرعة وببساطة ... هذه ثورة على الجرح وجدت البدائل المنظمة ذات الإعداد المسبق. أما في السيناريو الثاني ، فالمريض ترك يده وحاول السيطرة على مرضه بأخذ المسكنات ؛ وهكذا هداه تفكيره غير المتخصص ، فساءت حالته وانفجر الجرح تاركاً ورائه رائحة مريعة وألم مرعب ؛ إضافة لتلوث هائل وتهتك في الأنسجة المحيطة ، وهنا تكون مهمة الطبيب صعبة ومليئة بالآلام والمضاعفات ... هذا إنفجار للجرح المؤلم فلفظ الجسد الصديد – وهو أسوأ ما فيه - بعشوائية وبدون إعداد منظم أو ترتيب أولويات.
إن الثورات تحمل الخير السريع لأهلها ، أما الإنفجار المجتمعي - بسبب معاناته المزمنة فيأتي بالخير البطئ لأهله ، الخير قادم في الحالتين .. فالخير مرتبط في مجيئه بالتغيير والقدرة على الصراخ والتعبير ، الخير مرتبط بالحلم الإنساني الذي خرج من رؤوس البشر ليحيا ؛ سواء خرج بتدبير وترتيب مسبق ، أو خرج منفجراً ليحتاج منا أن نلم شتاته وخصائصه ، المهم إنه خرج ، فميلاد الطفل لابد وأن يكون أهم عندنا من إطعامه وتربيته وتعليمه ... فلولا الميلاد لما كان لزاماً علينا أن ننشغل بالباقي.
أقول هذا لنعلم إجابة سؤال مهم ، بل هو من وجهة نظري الأهم ، هل هي ثورة أم إنفجار مجتمع؟ والإجابة ستفرض علينا خطواتنا القادمة ، والإجابة ستعيد ترتيب أحلامنا ، والإجابة ستنظم من لياقتنا الذهنية فلا نستعجل أمور بطيئة ولا نتباطأ في أمور مستعجلة ... الإجابة مهمة وهي عند كل واحد منا .. هل كانت ثورة سابقة الترتيب والتجهيز ، أم كان إنفجار لمجتمع أرهقه الزمن وأعيته الحاجة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق