قد أراكي بين النجوم وفوق بريق
القمر ، قد أشعر بك في ظلال الصيف وبين قطرات مطر الشتاء ، وربما طالني عبيرك بين
الزهور وقطع ليالي الياسمين ، آلاف الـ "ربما" ومئات الـ "قد"
ولكن الدائم دوام الأنفاس ، والباقي بقاء الأقدار هو إنني أحبك وسأظل.
هذه الكلمات هي المقطع الدائم والأسطوري
في كل ما أكتب عن الحب ، فالحب كشعور لا يماثله شعور يمكنه أن يكون أكثر من كلمات
منمقة تتداخل سويا لتعطي بريق للجملة ومعنى للأداء الرشيق في النص ، الحب يمكنه أن
يكون أكثر من شعور يمتلكنا وكلمات تنطق بها ألستنا ، فالحب قبل كل شئ عقيدة وثقافة
لاترقى لمستواها ثقافة ، بل إن الحب هو الشعور الذي يميز الإنسان وقدراته عن باقي
مخلوقات الكون ، فبالحب أتينا وبالحب حيينا .. وبالحب يجب أن نرحل.
يقول البعض أن الرومانسية في
زمن العولمة درب من الجنون .. أو الخيال – كما يصفها بعض المهذبون – بل ويدعون لتركها
وكأنها ذنب قديم أو صورة من صور التخلف الإنساني ، فالشخص الرومانسي الذي يتمنى أن
يرى الحب في كل أركان وطرقات العالم ؛ هذا الشخص يصفه الآخرون بالحالم .. أو
الواهم وربما يصفونه بالطيب حتى درجة الهبل ، ولكن كل هذه الأوصاف لا تمت بصلة
للعشق والرومانسية ، فالحب هو وقود التطور والعلم وتقدم الإنسانية ، وبدونه لن
يحلم الإنسان ولن يتخيل ، وبالتالي فلن يخترع ولن يكتشف ، وستتوقف الإنسانية عند
ما توصلت إليه من تقاليد مادية في الحياة ، وسنغرق جميعنا في عالم من الصراعات على
ما تبقى لنا من أصول هذه الماديات ، وإذا أغفلنا قدرة المحبين على نسج حياة خاصة
بهم تؤهلهم للإبداع والتفكير في معزل عن قسوة المادة ، لو أغفلنا هذا فإننا نكون
قد أنكرنا على الإنسانية قدرتها وحقها في التطور والخروج من مأزق الإستهلاكيات
المادية ، والتي تفقد الحياة بهجتها ورونقها تحت وطأة الحاجة والإلتزامات المادية.
أغرب الإتهامات التي سمعتها عن
الشخصية الرومانسية أنها شخصية ضعيفة ، لم أعلم وقت أن سمعت هذا الوصف – وإلى الآن
– كيف تصل السطحية بالناس لهذه الدرجة ، فالعالم كله يشكو من جفاف الحياة وتسارعها
المؤلم ، والحياة السريعة الجافة هي بالضبط الذي يغضب منه الكثيرون ومنهم العظماء
والمفكرون ، ومنهم البسطاء من العامة بل والأسرة بكامل أفرادها ، الجميع يتهم
العالم الحالي والعصر الجاري بالقسوة والبعد عن الرحمة وثقافة الخلق القويم ، و لا
أعلم كيف لم يفطن هؤلاء أن السبب هو غياب الحب والرومانسية ؛ تلك التي يتهمون
صاحبها بالضعف ، كيف يكون ضعيفا وهو الوحيد الذي لديه القدرة على إستيعاب تقلبات
الزمان بفم بسام ، كيف يتهمون الرومانسية بالضعف وهي التي تتفوق في قوة
إستمراريتها على قوة أحزان الموت ، وتتفوق في تحملها للتطاول والتجاوزات على قدرة
أعتى العقلاء والماديين على تحمل مجرد مناقشة إعتراضية على ما يقول ، الرومانسية
هي التي تبقى بعد الحروب وتقلل من وطأة النيران وحزن الحرمان ، وهي التي دوما ترحم
الأيتام ...
لا يمكن أن نترك الحب
والرومانسية ، فهما ما نشا عليه الآدميون منذ البداية ، وعبر التاريخ ..كلما تركوه
إنهارت آدميتهم وتناثرت إنسانيتهم أشلاء ، الحب هو كلمة السر لترى النور رغم
الظلام ، هو كلمة التحمل والصبر على أمل في جديد أنقى واطهر ، الحب هو كلمة البقاء
على قيد الحياة ، وبدونه نصبح قبور تسير على الأقدام.