الجمعة، 7 سبتمبر 2012

الحب سلوك أم ثقافة


قد أراكي بين النجوم وفوق بريق القمر ، قد أشعر بك في ظلال الصيف وبين قطرات مطر الشتاء ، وربما طالني عبيرك بين الزهور وقطع ليالي الياسمين ، آلاف الـ "ربما" ومئات الـ "قد" ولكن الدائم دوام الأنفاس ، والباقي بقاء الأقدار هو إنني أحبك وسأظل.
هذه الكلمات هي المقطع الدائم والأسطوري في كل ما أكتب عن الحب ، فالحب كشعور لا يماثله شعور يمكنه أن يكون أكثر من كلمات منمقة تتداخل سويا لتعطي بريق للجملة ومعنى للأداء الرشيق في النص ، الحب يمكنه أن يكون أكثر من شعور يمتلكنا وكلمات تنطق بها ألستنا ، فالحب قبل كل شئ عقيدة وثقافة لاترقى لمستواها ثقافة ، بل إن الحب هو الشعور الذي يميز الإنسان وقدراته عن باقي مخلوقات الكون ، فبالحب أتينا وبالحب حيينا .. وبالحب يجب أن نرحل.
يقول البعض أن الرومانسية في زمن العولمة درب من الجنون .. أو الخيال – كما يصفها بعض المهذبون – بل ويدعون لتركها وكأنها ذنب قديم أو صورة من صور التخلف الإنساني ، فالشخص الرومانسي الذي يتمنى أن يرى الحب في كل أركان وطرقات العالم ؛ هذا الشخص يصفه الآخرون بالحالم .. أو الواهم وربما يصفونه بالطيب حتى درجة الهبل ، ولكن كل هذه الأوصاف لا تمت بصلة للعشق والرومانسية ، فالحب هو وقود التطور والعلم وتقدم الإنسانية ، وبدونه لن يحلم الإنسان ولن يتخيل ، وبالتالي فلن يخترع ولن يكتشف ، وستتوقف الإنسانية عند ما توصلت إليه من تقاليد مادية في الحياة ، وسنغرق جميعنا في عالم من الصراعات على ما تبقى لنا من أصول هذه الماديات ، وإذا أغفلنا قدرة المحبين على نسج حياة خاصة بهم تؤهلهم للإبداع والتفكير في معزل عن قسوة المادة ، لو أغفلنا هذا فإننا نكون قد أنكرنا على الإنسانية قدرتها وحقها في التطور والخروج من مأزق الإستهلاكيات المادية ، والتي تفقد الحياة بهجتها ورونقها تحت وطأة الحاجة والإلتزامات المادية.
أغرب الإتهامات التي سمعتها عن الشخصية الرومانسية أنها شخصية ضعيفة ، لم أعلم وقت أن سمعت هذا الوصف – وإلى الآن – كيف تصل السطحية بالناس لهذه الدرجة ، فالعالم كله يشكو من جفاف الحياة وتسارعها المؤلم ، والحياة السريعة الجافة هي بالضبط الذي يغضب منه الكثيرون ومنهم العظماء والمفكرون ، ومنهم البسطاء من العامة بل والأسرة بكامل أفرادها ، الجميع يتهم العالم الحالي والعصر الجاري بالقسوة والبعد عن الرحمة وثقافة الخلق القويم ، و لا أعلم كيف لم يفطن هؤلاء أن السبب هو غياب الحب والرومانسية ؛ تلك التي يتهمون صاحبها بالضعف ، كيف يكون ضعيفا وهو الوحيد الذي لديه القدرة على إستيعاب تقلبات الزمان بفم بسام ، كيف يتهمون الرومانسية بالضعف وهي التي تتفوق في قوة إستمراريتها على قوة أحزان الموت ، وتتفوق في تحملها للتطاول والتجاوزات على قدرة أعتى العقلاء والماديين على تحمل مجرد مناقشة إعتراضية على ما يقول ، الرومانسية هي التي تبقى بعد الحروب وتقلل من وطأة النيران وحزن الحرمان ، وهي التي دوما ترحم الأيتام ...
لا يمكن أن نترك الحب والرومانسية ، فهما ما نشا عليه الآدميون منذ البداية ، وعبر التاريخ ..كلما تركوه إنهارت آدميتهم وتناثرت إنسانيتهم أشلاء ، الحب هو كلمة السر لترى النور رغم الظلام ، هو كلمة التحمل والصبر على أمل في جديد أنقى واطهر ، الحب هو كلمة البقاء على قيد الحياة ، وبدونه نصبح قبور تسير على الأقدام.