"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " ، ويقول تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ "
إن الله تعالى خلقنا عبادا له ، لا نملك من أمرنا شيئا إلا ما شاء الله لنا ، وقد أقسم المولى عز وجل في كتابه الكريم بنفسه – وهذا نادرا إن كان تكرر أصلا – قائلا "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ @ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ " ، والمولى عز وجل هو مقسم الأرزاق وهو أعلم بعباده وهو اللطيف الخبير ، وكما قال " وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ " ، ولهذا أعطى الله لأناس ومنع عن أناس رحمة بهم ولإنه سبحانه خبير بما في أنفسهم ، فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويعلم إن أعطاك ماذا ستفعل بعطيته ، وإن منعك فهو يعلم ماذا سيكون رد فعلك لمنعه ، ولنقرأ قوله تعالى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ " إن الله يعلم أن هناك من بين البشر من سيعترض على تقسيمه الرزق وسيعتبر أن العطاء كرم من الله والمنع إهانة ، ولكن الله تعالى في محكم آياته يشير إلى إن كلاً من العطاء والمنع هو كرم من الله ، فحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن أمر المؤمن كله خير ، إن أصابه رزق شكر وإن أصابته مصيبة صبر ، وبعض الناس ترى الرزق في المال فقط ، والحقيقة أن الأمان رزق والصحة رزق والبنون رزق وراحة البال رزق والأخلاق رزق ، ونعمة الإسلام رزق ويكفينا خٌلق الفاروق عمر رضي الله عنه عندما أشار لفوائد المصيبة التي قد تصيبه في أي وقت ، وقال أنه يحمد ربه لإنها لم تكن أكبر من ذلك ، وأنها لم تكن في دينه ، ثم يتذكر مصيبته في فقد النبي صلى الله عليه وسلم فتهون عليه مصائب الدنيا ...
إن الإيمان بالله وبالرسول يدفعنا لنعمل بكلام الله ونتأسى برسوله الكريم ، وصعاب الدنيا التي نعانيها لا تساوي شيئا لما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشدائد أيامنا تلك لن تكون أشد تأثيراً من شدائد المسلمين الأوائل ، ومع ذلك صبروا وراعوا حق الله فيهم ، فلم تمنعهم الشدائد من شكر الله على نعمه ، وأيضاُ لم تعوقهم عن الصبر على أقدار الله ، بل إن منهم من إعتبر الشدائد رزقا غاليا يرفع قدره عند الله تعالى إذا هو صبر على بلاء الله له ... إن الجهاد في سبيل الله يبدأ من النفس ، وكما قال تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " وقال أيضا "لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ " ، فالذي يغير هو الله تعالى ، وهو سبحانه ينتظر منا أن نعد العدة لهذا التغيير ، نعدها بأن ننقي الأنفس من الشح .. ننقيها من بخل الأخلاق وبخل القلوب وبخل الإيمان بالله وقدره .. نعد أنفسنا بأن نغيرها وننتقي أخلاقنا ، فنتحول من حال مفككة إلى حال ترضي الله عنا ، فالله تعالى يقول "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ، فالفساد يظهر بسبب ، وهو جزاءاً وفاقاً لما إقترفته أيدي الناس ، فسبحان الذي يغير ولا يتغير ، مُقلب القلوب بين أصابعه.
إن الله تعالى لا يرضى بالظلم ولا بالفساد و تواجدهما في الدنيا دعوة لنا للمقاومه الحقيقية ضدهما ، فنقاوم إنتشارهما ونمنع تكرار فرصهما حتى يكون اسم الله السلام والعدل حقا بيننا ، ولكي نفعل هذا يجب علينا أن نتأسى بالرسول الكريم في محنه ، فقد صبر ودعا ربه وعمل في الأرض خير العمل ، الرسول الكريم الذي علم عن ظهر قلب ما معنى المضطر فلم ييأس من رحمه الله ، المضطر الذي تضطره ظروف الدنيا للإستدانة والفقر والمرض وتهجم عليه بمصائبها لتحول بينه وبين سعادة حياته ، ولكنها أبدا لا تحول بينه وبين سعاده قلبه - فقط إذا كان عامرا بالإيمان بقدرة الله تعالى على العطاء والرحمة ، المضطر هو الذي ضاقت عليه الدنيا بما رحبت فيؤمن بالآية "أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ " ، إن هذا المضطر الذي أضرته الدنيا هو أقرب ما يكون لربه ، فإذا أخذ مكانة في العمل أولا ثم الدعاء ثانياً نال الإجابة الإلهية ، ويالها من مكانة أن تطلب من ربك فيستجيب لك .. ولكن البعض يسيئ وبدلا من أن يصبر ويعمل ويدعو ربه لتزول الغمة ، وبدلا من أن يأخذ مقاله سيدنا أيوب "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " نجده يعلو صوته برفض قدر الله له ، وكأنه يقول لله تعالى إنه يرى أن حياته تستحق أفضل من هذا القدر بالرغم من إن الله تعالى لم يخبره بذلك ، ونسأله أطلعت على الغيب أم إتخذت عند الله عهدا؟ ، الخلق النبوي والأسوة الحسنة يعلمنا كيف نتأدب مع الخالق لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فيقول: "إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا" ، والخلق واجب وشرط للإيمان مع الذات الإلهية ، ولا يجرؤ العبد أن يدعي العلم أكثر من سيده ، ولا يجوز للعابد أن يتطاول على أقدار المعبود ، ولايجوز للمصلي الذي يستعيذ بالله من النار أن يحرق بها نفسه ، ولايجوز للمؤمن إلا أن يدعو الله تعالى بالصبر والتوفيق في الدنيا والآخرة ، فالأخلاق التي غابت هي الأولى بالرعاية لتعود ، وعلامات الحضارة دائما كانت في أخلاق الأمم ، وكما قال الإمام أحمد بن حنبل أن الحاكم العادل الفاسق خير من الحاكم الظالم المؤمن ، فالأول عدله للناس وفسقه على نفسه ، والثاني إيمانه لنفسه وظلمه على الناس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق