هذا السؤال يطرحه البعض من وقت لآخر ودون أن يدري يجيب عليه ، فالمصري يستطيع أن يخبرك بأنه عاشق للإستقرار ، حليف إستراتيجي لكل ما يسعده ، وحتى في أشد الظروف تجده يبحث عن النكتة ؛ على سبيل أن تجعل من الصعب سهل ومن المستحيل ممكن .. إن المصري هو أقدم مواطن على الأرض بصفته ساكن لأقدم دولة عرفها الإنسان ، قد تكون الحضارة الفرعونية والتي تركت خلفها ستة آلاف عام ليست بأقدم الحضارات ، ولكنها بلا أدنى شك هي أقدم الدول ، والفارق بين الحضارة والدولة هو الفارق بين المتعلم والخريج ، هو الفارق بين مشروع الحلم وواقع تنفيذه ، فالحضارة المصرية إبتدعت نظام الدولة وشجرة تحمل المسئوليات ، وعليه فهي أقدم البيروقراطيات على وجه الأرض ، والمواطن المصري قد يكون أقدم شخصية روتينية عرفها الإنسان ، ولكنه كان دائما عاشقا للإستمرارية ، والإستمرار يحتاج لقدرة فائقة على التكيف مع الواقع ، وبما إن الواقع في معظمه مؤلم فكان لزاما على المصري - القديم والحديث - أن يتكيف مع الألم عبر بحثه المستمر عن السعادة والملهاة ، وبتكرار الأمر وبكثرة المصائب ، تعلم المصري كيف يواجه الصعاب بالبسمة والنقد اللاذع حتى إحترف الأمر وأصبح من يومياته العادية.
المصري يريد أن يعيش في سلام ويرتشف قهوته في مودة ، يريد أن يرى أولاده في بيت العدل كما يقولون و هم في سعادة وسكينة ، المصري يريد أن يسير في الشارع فلا يرى دما ولا يسمع سبابا ، المصري يريد أن يجلس على ضفاف النيل دون أتربة ويركب مركب العصاري دون إستغلال وإبتزاز .. المصري يريد أن يسمع أغنية راقية وشعر مؤثر .. يريد أن يرى فيلما باسما ومسرحا مهذبا .. إنه يريد الرقي بكل أنواعه ، وكيف لا وهو أقدم مواطن على الأرض ، وبالتالي فهو عالم ببواطن المواطنة وخبير بفنون الإنسانية .. لذلك مهما تعددت طبقات الشعب المصري ومهما تباينت طبائع أفراده ، فهو في النهاية يتفق دائما على كل ما هو جميل ، فعاداته وتقاليده تحكمه والخارج عنها يلتهمه تأنيب الضمير.
والسؤال الذي يلح على رؤوسنا جميعاً ؛ أين وكيف ومن يستطيع أن يحقق حلم المصري؟ نحن في حاجة لشخص يعلم جيداً أننا لا يهمنا خصال ولا صفات ... لاغنى ولا سلطان ، لكننا نريد لمصرنا مؤسسة حاكمة تعلم من أولها لآخرها معنى أن يكون لديها شعب مصري ، ويعلم كل فرد فيها ما معنى أن يكون هو شخصيا ... مصري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق