الخميس، 23 أغسطس 2012

التخلف والتقدم


التخلف هو أن تترك المنافس يتقدم عليك وتتوقف أنت عند ما حققته أو توارثته في الماضي ، مع العلم بأن الأخلاق والأصول في المعاملات الإنسانية لا تدخل في أي تنافس بين البشر ، فالصدق هو الصدق في أي مكان وزمان ، والحق والعدل هما الحق والعدل في أي مكان أو زمان ... الإختلاف بين الأمم ليس خلافا على الحق أو العدل ، ولكنه خلافا على كيفيه وتوقيت تطبيقهما ، وأيضا خلاف على من الذي يجب تطبيق الحق والعدل عليه ... الخلاف بين الأمم ليس على المبادئ ولكن على مايمسها من تصرفات البشر.  إذن التحدث عن التخلف ليس له علاقة لا بأخلاق ولا بمبادئ ولا بتعاليم دينية ... إنما التخلف هو في طريقة تناول المبادئ و في أسلوب تطبيق الأخلاق و في كيفيه إتباع تعاليم الدين ، فالثوابت من بداية الخلق لا علاقة لها بهوى الإنسان المتغير من وقت لآخر خاصة عندما يكون ناسيا أو متناسيا حق الله عليه عندما يتعامل مع باقي مخلوقات الله ، فالأهواء لا تتبعها الأخلاق بل العكس هو الصحيح ، والأخلاق لا تتصنف طبقا للتقدم والتأخر ، الدين لا يتفاعل مع الأزمنة فيختلف بها وتتغير تعاليمه بمرور الوقت ، ولكن الذي يتغير هو فهم الناس لهذا الدين أو ذلك ، الذي يتغير هو توافق أمزجة الناس مع هذا الخـُلق أو غيره ، فمثلا تجد أن الرشوة كانت حرام شرعا - ولازالت - وكانت عيب خلقا ولازالت ، لكنها تحولت بفعل البشر لضرورة مباحة قد تدفع بها عنك مفسدة من الناحية الدينية ، كما إنها أصبحت فهلوة وإكرامية وتفتيح مخ من الناحية الأخلاقية ... ولكن ستظل الفطرة الإنسانية ترفضها والقانون البشري يجرمها ، فالرشوة خلل أخلاقي لا يتغير سوء قدره بتغير مسمياته أو بعموميته أو بدفاع المرتشين عنه ...

لا أريد أن أكون تقدميا مستهترا فأدعو للتكيف مع الواقع بمجاراته ، والتلون كما يتلون الناس ، لا أريد أن أدعو لثقافة الخيال والتعامل مع المجهول بإكتشافه دون أسس نقف عليها أثناء رحلات هذا الإستكشاف ، فالتقدم دائما يأتي على أكتاف القديم ، والأدوار العليا في الأبراج لم تكن لتوجد لولا أن أقام البنائون الأدوار الأولى ، والدعوة لترك الماضي بشكل مطلق والإنطلاق للأمام ممكن وسهل ، ولكنه سيكون كمن قرر أن يبني الدور العاشر قبل أن يعلم كم دور ستتحمل الأساسات الأرضية ، والنتيجة متوقعة ... سقوط الكل ؛ العاشر وما قبله.  وعلى نفس المقام لا أريد أن أكون أصوليا متخلفا بأن أدعو للتمسك بتفاصيل حياة الأولين وكأننا نتجاهل مرور السنين ورزق الله لنا في العلم والثقافة والقدرة على الفهم الأوسع والأعمق. الدعوة لحياة الأولين لا تخلو من تمدد غير مرغوب ، فجملة "للخلف دُر" ليس لها مدى في الخلف ، وقد يعود بنا الزمان لأبعد مما يمكنننا العودة منه ، فنصبح أسرى لخيالات وأشباح في زمان تركنا بأعماله وترك لنا الفرصة لنقوم بأعمالنا ، ولن يمكن تطبيق قانون مات زمانه ورحل ، تماما لإننا لا يمكننا تطبيق قانون لم يأت زمانه بعد ، والقوانين هي أسلوب الحياة الذي يرضاه زماننا لنا ، والفهم الخاطئ والمتشابك بين المبادئ والقوانين أمر يجب تجنبه ، فليست المبادئ بقوانين لإنها ببساطة لا تتغير ، أما القانون فهو متغير ، ولا التعاليم الأخلاقية متغيرة ولكن أسلوب التطبيق هو المتغير ، وبالتالي لا يجوز الخلط بين المبادئ والتعاليم الأخلاقية والدينية من جهة وبين القوانين والظروف الحياتية المستجدة من جهة أخرى ، والأولى أن نتبع قوانين الحاضر الذي يتماشى مع أسلوب وطريقة حياة زماننا فقد يسمح لنا بإضافة الجديد وبوضع لبنة التقدم التي يجب أن نورثها لأبنائنا ...

كيف وأنت في العشرين من عمرك تريد أن تحبو على ركبتيك كما كنت تفعل أيام الطفولة طلبا للأمن وتجنبا لعدم السقوط على الأرض ، وكيف وأنت في العشرين تريد أن تتفق على أسلوب تربية أحفادك الذين لم يولدوا بعد ، فلا أنت تملك تكرار الماضي ولا أنت بمستقدم للمستقبل ... فلا تنادي بالعودة للخلف وأيضا لا تتصرف وتقرر لأيام لم تأتي بعد ، الحالة الأولى أنت متخلف وفي الثانية أنت مجنون.  إنما العاقل في العشرين من عمره يرسم خطوات مستقبله لكنه لا يصنعه ، يعتمد على أصول تربيته لكنه لا يقلدها ، فهو يعيش حاضره بأسس الماضي وأحلام في المستقبل ، أي إنه متخلف تقدمي أو ربما يكون متقدم رجعي.

هناك تعليق واحد:

  1. جميلة مدنتك
    في هنا يوم تدوين عن نجيب محفوظ يا ريتك تشترك معانا
    http://www.facebook.com/photo.php?fbid=411804825534576&set=a.236390469742680.51605.227648377283556&type=1&comment_id=1077468

    ردحذف