الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

دولة كانـت

استعمار لمئات السنين يتزامن مع فقر وجهل ونقص حاد فى الثقافة ، ثم انشغال كامل بالتحرر وبمفاوضات الحصول على الاستقلال.. المفاوضات تدور بمعرفة طبقة النخبة وفى غياب شعبى ثقافى ، قد يكون هناك حضور شعبى على شكل تأييد أو مظاهرات أو احتجاجات ، لكن ثقافة الحوار وأسلوب التفكير كان حكراً على النخبة.
تمر الأعوام ويحصل البلد على استقلاله فيملك زمام أموره فى يده لأول مرة من مئات السنين هذه المرة يجب أن يعتمد على نفسه ، فلا معونات ولا مساعدات ولا استثمارات ، فقط خبرات شعبية قليلة وثقافات شبه غائبة ، فقط احترافية معدومة وقدرات إدارية فى أقل مستوياتها ، فهو شعب اعتاد على أن أحدهم يفكر له ويتخذ القرار نيابة عنه .. لكن لابد من الاستمرار في الحياة ، لابد من مقاومة الجهل والفقر والمرض والتاريخ نفسه ، إن أصل الشعب الجيد وقدرته على التواجد عبر التاريخ هما من حكما بهذا ، فالمعدن الأصيل يتكلم .. وبدأت عجلة التقدم والتطور فى الدوران ، عجلة كانت جامدة مئات السنين بدأت دورانها ببطء شديد ، ولكن لا يهم طالما إنها تدور، فهذا أفضل من التوقف والسكون ، تسارعت العجلة في دورانها فبدأت عيوبها تظهر .. إنها لا تدور بشكل منتظم ، هناك ناحية منها أعلى من الأخرى .. هذه العجلة تحتاج بشدة لإصلاح عيوبها الزمنية بسبب التوقف الطويل عن العمل .. لكن نقص الخبرات والمعرفة أثر بشدة على كفاءة محاولات الإصلاح ، ومع تسارع العجلة زاد إعوجاج حركتها ، فأصبحت تنتج أحياناً وتعجز أحياناً أكثر، ولكنها تدور.. فما زالت تدور.
والخلاصة أنه مع التحرر يبدأ الطموح وبدأت تجارب السفر للخارج ، لكن هؤلاء لازالوا قليلي الخبرة ، إنهم أناس عاشوا فى ظلام الفكر مدة طويلة حتى أصابهم التشتت والتردد فى هويتهم .. سافروا وهم يجهلون هويتهم ومعرفتهم الحقيقية بأنفسهم .. والنتيجة هى استيراد كل جديد بداية من الحركة والملبس وحتى الفكر والجوهر ، إنه شعب بحث عن هويته بين أرجاء الكون ، شعب فقد قدرته على رؤية ذاته فحاول أن يستخلصها من خصائص شعوب أخرى ، إنهم قوم يعرفون تاريخهم ومجدهم لكنه لا يتناسب مع حاضرهم.. تعجبوا.. غضبوا.. غاروا على تاريخهم ، فأرادوا استرجاعه من بقية شعوب الأرض ، فما كان منهم إلا أنهم ذابوا فى بقية شعوب الأرض.. اختلط عندهم الحابل بالنابل.. وساهمت قلة الخبرة والثقافة فى نقل أفكار وأدوات تعامل غريبة عليهم ، وعندما حاولوا تجنيسها بأخلاقهم تاهت أخلاقهم ، وعندما حاولوا خلطها بعاداتهم تشوهت العادات والتقاليد ... ومع مرور الوقت خرجت للنور أجيال تقرأ عن الماضى ولا تعرفه ، تسمع عن الحاضر ولا تعمل من أجله ، تتمنى المستقبل وتعجز عن وضع هدف له.
والحل في أن يعلم هذا الشعب أنه ليس مجرد امتداد لحضارة قديمة ، بل إنه الآن فى المربع رقم واحد لتلك الحضارة ، يجب عليه أن يبدأ كما بدأ أجداده وينسى أن يعيش بما وصلوا إليه، فالمصرى القديم انتهى وخلص زمانه ، وإستمراريتنا لن تكون من أجل عيون القديم، بل إنها مرهونة بما نفعله نحن من جديد ، يا أهل مصر اقلبوا الصفحة واعتبروا أننا فى بداية جديدة ، بداية تسمح لنا بإنشاء حضارة باسمنا نحن وليست غنيمة من ميراث سابق ، إننا شعب جديد ينمو ويجب أن يكون نموه قوياً وفعالاً – لا لأنه حفيد حضارة قديمة – ولكن لأنه يبحث لنفسه عن مكان فى الحاضر وفي المستقبل ، فنحن لسنا امتداداً لآخر عهد الفراعنة .. لكننا قد نكون بداية لفراعين جدد .. هذا إن أردنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق