الخميس، 27 أكتوبر 2011

هي فين المشكلة؟

تسعة أشهر بعد الثورة المصرية ، الكل يرى أن هناك تخبط أو فلول أو ثورة مضادة أو.. أو ، الكل قلق وخايف على البلد ، وهذا حق مشروع لكل مواطن ، ناس كتير نفسها في حاجات كتير ، ناس تتمنى أن ترى بلدها أعظم بلدان العالم ، وناس نفسها أن ترى شعبها أعظم شعوب الأرض ، وناس شايفة إن البلد والشعب ما هم إلا بعض الأفراد الذين ينتمون لهذا الشعب ولتلك البلد وبالتالي لابد من رفع مستواهم المعيشي لكي ننهض بالوطن ككل ، ده حتى الأيادي الأجنبية والتي تعمل من أجل مصلحتها الشخصية كتير منهم عايزين مصلحتهم من خلال مصر ، فمن الواضح أن هذه البلد هدف لكل من على وجه الأرض سواء مواطنيها أو خارجيها ، سواء أصدقاءها أو أعداءها ، وده يثبت حاجتين ؛ الأولى إن مصر ليست أسطورة ولا أغنية إحنا بس اللي بنغنيها ، ده العالم كله بيتنافس عليها وكل واحد عايزها في صفه ولمصلحته ، والحاجة الثانية هو إننا مش لازم نتفزع ونخاف ونقلق على مصرنا لكثرة الطلب عليها ، بالعكس ، ده معناه إن بإيدينا سلعة غالية وراقية ومرغوبة من الجميع ، وعلينا نفكر كيف نحسن إستخدامها وترويجها لما فيه مصلحتنا أولاً ومصلحة من نحب في العالم ثانياً ، لايوجد أي داع أن نشعر بأن أحدهم سيخطف منا مصرنا ، فالأوطان لا تـُخطف ، ولكن يتم السيطرة عليها وعلى شعوبها ، والشاطر اللي ما يخليش حد يتحكم فيه ولا ياخد منه ملكيته ، والمصري شاطر بطبعه لكن محتاج إنه يفتكر ده ... بالعربي كل المتنافسين والمشاركين على الشأن المصري معاهم حق ، معاهم حق يطمعوا فيها أو يحبوها أو يغيروا عليها ، والمشكلة ساعات بتيجي لما يصبح الجميع على حق.
بعد الثورة المصرية كان المد الثوري والشعور الثوري هو السائد في الشارع ، الناس فرحانة وكلها أمل ، والأمل يجعل التفكير أسرع والأماني كلها ممكنة مهما كانت صعبة أو بعيدة ، وبالتالي ترك الثوار مشاعرهم وأحاسييهم وطريقة تفكيرهم تنمو كيفما تشاء وبالسرعة المتناسبة لفكرة ومبدأ كلمة ثورة ، وفي الوقت نفسه البلد كلها آلت مسئوليتها لمجلس عسكري قرر أن يقود الدولة لفترة ما ويسلمها بعد كده للثوار ، وهنا مربط الفرس ، الجيوش لا تتحرك بثورية والمجلس العسكري بيعيد الحسابات كل خمس دقايق تقريبا من أجل إنتقال آمن للسلطات من وجهة نظره ، وبأقل تكلفة أو خسائر ممكنة ، وده معناه النقل المتأني جداً واللي طبعاً لازم يكون بطئ .. وبالتالي أصبح لدينا بحكم الواقع قيادتين ؛ قيادة الثورة المتمثلة في شعب زهق من فساد سنين ومشتاق جداً لرؤية تغيير سريع وملموس ، وبين مجلس عسكري بيفكر بعقلية الجيوش الإستراتيجية والتي تستدعي الكثير من الحيطة والتخطيط والشك أحياناً ... فيه فرق في السرعات سيدي الرئيس ، والفرق ده مسبب مشكلة إتهامات متطايرة في سماء مصرنا الغالية ، فالثوار (الشعب) يتهم المجلس العسكري بالبطء في تنفيذ الأحلام ، والمجلس يتهم الناس بالتسرع والإستعجال اللي ممكن يسبب فقدان للسيطرة على إستقرار البلاد ، وطبعاً الحكومة هي الوسيط اللي هايتحمل الضغط من الطرفين ، فصلاحيتها محدودة جداً نظراً لغياب مجلس تشريعي يستطيع مناقشة الأمور وإصدار القرارات ، فهذه الحكومة لا تستطيع تغيير معظم الأمور التي قامت من أجلها الثورة ، وطبعاً على طول يتهمها الناس بإنها إما حكومة ضعيفة لدرجة الركود أو إنها تعمل ضد الثورة ... فتقوم خناقة محترمة بين طوائف الشعب وفئاته من جهة وبين الحكومة من جهة ثانية ومن وراءها المجلس العسكري. الحقيقة إن الموقف متشابك والدائرة شبه مغلقة ، لكن الحل ببساطة شديدة في أمرين: أولهما أن نفهم ونتصور حقيقة الموقف اللي إحنا فيه بعيد عن الكلام الكتير عن تقليد تونس ومصير ليبيا وأيادي خارجية ورشاوي داخلية وفتنة طائفية ، الحكاية ببساطة إن كل الملفات اتفتحت على البحري في وقت واحد .. و دة مش وحش ، لكن الحلول لهذه الملفات محتاجة وقت ودراسة واستقرار ، وده طبعا لا يمكن توفيره بكرة الصبح ، إذن الأمر الأول هو التفهم والإنتظار ، والإنتظار يستفز المشاعر السريعة للثوار والقلقانة من العودة للوراء ، وهنا يأتي الأمر الثاني في الحل ، وهو تطبيق القانون بحذافيره .. وعلى طوب الأرض ، الناس مش واخده بالها إن الثورة قامت علشان تطبيق القانون ، لما تترجم شعار الثورة من خبز وحرية وعدالة إجتماعية تلاقيها تعريف لكلمة تطبيق القانون ، والسبب الأساسي والرئيسي لشعور الناس بالعودة للخلف أو البطء هو عدم تنفيذ القانون بشكله الكامل على الجميع ، هذا الأمر حبس الشعب في وساوس الفشل والثورة المضادة ، وطبعا ده ممكن يشكل هاجس عند بسطاء الشعب لإن الأمور محتاجة تفسير ، ولما يغيب التفسير يبقى بنفتح باب الإجتهادات ... وهنا المصيبة الكبرى ، الشعب المصري حاد الذكاء بطبعه لكنه تعرض لتجريف سياسي وبالتالي نحن أمام شعب رغم ذكاءه الفطري لكنه لا يعرف بعض الأساسيات السياسية المهمة التي تمكنه من الإستنتاج الصحيح للأمور ، ولو لم نتحدث مع شعب كهذا سيبدأ في تأويل الأمور على حسب ما يراه ذكاؤه وليس على حسب ماتراه خبرته السياسية ، والذكاء يا سادة بطبعه ملئ بالشكوك والمخاوف ، ولما نترك الناس دون توضيح أو إجابات على تساؤلاتهم يبقى بنخلق فراغ سياسي يضطر العامة لملئه بإستنتاجاتهم ، وفي هذه الحالة كل الإستنتاجات محتملة ومفتوحة.
تهيألي حرام يبقى عندنا ثورة كده وشعب كده وثوار كده ، ومجلس عسكري كده ، وفي الآخر يبقى شكلنا تايهيين كده ، ممكن نهدى شوية وكل واحد منا يحط أوراقه على الترابيزة ، ومش لازم كل الورق لكن على الأقل يبقى فيه ترابيزة وعليها ورق من كل الأطراف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق