الجمعة، 21 أكتوبر 2011

حق الصـمـت

اللغة هي وسيلة للتواصل بين البشر، والمعروف أن الإنسان ابتدع اللغة من أجل تقريب وجهات النظر وليخلق شئ مشترك للفكر والتواصل بينه وبين الآخر، ولكن هناك أسلوب آخر للتواصل بين البشر - وبالرغم من إنه قديم إلا إنه لا يزال حياً يـُرزق .. إنه لغة الصمت، فمن وجهة نظري الصمت لغة، وهو أبلغ وأكثر اللغات الحية بين الناس، فتجده كثيراً يعبر المسافات والمواقف ليغزو قلوب وعقول المتحدثين، ينقل بسلاسة منقطعة النظير الأفكار والرغبات، ينقل حتى دموع وضحكات ومشاعر قبل أن تخرج للنور، فالصمت قادر بطبيعته على أن يحافظ على سرية العلاقات وإستمراريتها.
الصمت هو الملاذ الآمن للإسترخاء العسكري بين الأزواج المتصارعة، وهو معبد مقدس لكل من يريد أن يصول ويجول في خواطره الشخصية، وأعلم كثير من الناس يتخذون الصمت اللغة الرسمية لهم، ويقولون أنه أحياناً يكون الأداة الوحيدة القادرة على التعبير عن غضبهم ورفضهم لبعض المواقف غير المرضية، وهذا يجعلنا نتذكر أنه في كثير من حالات الألم النفسي يـُعد الصمت هو البديل الأمثل عن آهات وصرخات، وهو أيضاً الشكل الشرعي والمحترم لمعني القدرة على التحمل عند الكثير من الرجال، وحتى الأطفال يلجأون إليه كثيراً كلغة مزدوجة، فأحياناً للترقب والمراقبة وأحياناً للإعتراض على أوامر لاتعجبهم، والمراهقين يتخذونه درع وقاية ضد مسلسل التجسس على أسرارهم بمعرفة آبائهم، و في المدرسة يلوذ الطالب بالصمت كبديل قانوني عن جملة "لا أعرف الإجابة"؛ إنقاذاً لماء الوجه بدل من تحول الحكاية لفضيحة جاهلية بين زملائه.
وتاريخياً الصمت هو اللغة الشرعية والرسمية بل والوحيدة في علم الذكريات ، فالسباحة في الذكريات تحتاج لصمت بتركيز شديد، والصداقة القائمة بين الذكريات والصمت ليست صداقة عادية ولا هي تكافلية وإنما هي من نوع خاص مبني على الإعتمادية التامة، فلا ظهور للذكريات إلا بفترة سكون تمهد لها طريق الخروج من أعماق الزمن.
وإذا أردنا التفكير في أمور الحاضر والمستقبل فسنحتاج لمنظومة الهدوء والإستقرار، وإلا تحولت دراسات مشاريع المستقبل إلى صراخ وحوارات عقيمة جدلية تصدع أكثر منها تنجز جديد.
إن الصامتين هم أكثر الناس غموضاً وحيوية في آن واحد، فالصامت ليس دائماً ضعيفاً أو مستسلماً للواقع بل قد يكون في مرحلة إعداد لقرار، وغالباً ما يكون قرار مصيري وحاسم، والشخص الصامت له قدرات قوية على التذكر والتفكر وربط الأمور ببعضها مما يوفر له كفاءة خاصة على الإستنتاج والتوقع الجيد، وبالتالي يكتسب أداء متميز في تعامله مع الآخرين.
وأخيراً فلا داعي لإنكار أن الصمت قدرة خاصة وميزة بشرية عالية وغالية تندر في عالمنا المعاصر، هذا العالم الذي أصبح صوته أعلى من سقف طموحاته وأكثر من إنجازاته على أرض الواقع، فعالم الضوضاء الذي نعيش فيه مهين للحقائق وقاتل للأحلام، وأعتقد أنه آن الأوان لنمارس رياضة الصمت وفضيلة السكوت حتى نتمكن من رؤية أحلامنا، ويكون لدينا الفرصة للتركيز على حقيقة ما يجب فعله.
بقليل من الصمت يمكننا تنقية التجارب وإستخلاص أبرعها وأبدعها، بقليل من الصمت قد ننقذ أعصابنا وأحلامنا ومبادئنا ... بل قد ننقذ العالم كله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق